الاثنين، 28 نوفمبر 2011

موسوعة الفقه الإسلامي 9

موسوعة الفقه الإسلامي 

من وزارة الأوقاف المصرية

لقراءة الجزء الأول اضغط هنا

لقراءة الجزء الثاني اضغط هنا 

لقراءة الجزء الثالث اضغط هنا 

لقراءة الجزء الرابع اضغط هنا

لقراءة الجزء الخامس اضغط هنا

لقراءة الجزء السادس اضغط هنا

لقراءة الجزء السابع اضغط هنا 

لقراءة الجزء الثامن اضغط هنا

إجَازة

الإجازة لغة:
فى المصباح: جاز المكان يجوزه جوزا وجوازا سار فيه وأجازه قطعه وأجاز الشىء أنفذه- قال ابن فارس وجاز العقد وغيره نفذ ومضى على الصحة وأجزت العقد جعلته جائزا وأجاز له فعل كذا سوغه له وأجاز رأيه أنفذه كجوزه و جاز له البيع أمضاه وأجاز الموضع خلفه (1)
الإجازة فى استعمال الفقهاء:
لا تخرج فى استعمال الفقهاء عن هذا المعنى العام فيستعملونها فى إنفاذ العقود الموقوفة بمعنى ترتيب أثرها عليها وإنفاذها فيقولون إن العقد الموقوف ينفذ وترتب عليه آثاره بإجازته ممن له ولاية إنفاذه فعقد الفضولى عند من يراه موقوفا لا تترتب عليه آثاره ولكنه يصير نافذا وتترتب عليه آثاره بإجازته من صاحب الشأن وهو المالك أو الولى علية أو وكيله مثلا وكذلك تصرف ناقص الأهلية المتردد بين النفع والضرر يصدر عليه موقوفا موذوفا ولكنه ينفذ بإجازته ممن له الولاية على ناقص الأهلية وتزويج العبد نفسه موقوف ينفذ بإجازته من سيده والوصية للوارث أو بأكثر من الثلث موقوفة وتنفذ بإجازتها من الورثة وهكذا، وكذلك يستعملونها بمعنى الإمضاء وذلك فى العقود النافذة إذا كان فيها خيار لأحد العاقدين فيقولون أنها تصير لازمة بإجازتها ممن له لخيار فى فسخها ويسقط خياره بإجازتها أى بإمضائها كما فى البيع فيه خيار الرؤية أو خيار الشرط وإذا كانت فى الفعل كان معناها الرضا به وبما يترتب عليه من أثر كما فى أجازه الإيفاء بالدين يقوم به أجنبي أو تسليم العين الموهوبة يقوم به غير الواهب
ما تتحقق به الإجازة
تتحقق الإجازة بكل ما يفيد الرضا صراحة أو دلالة من قول أو فعل فتكون باللفظ وما يقوم مقامه كالكتابة أو الإشارة ممن لايستطيع النطق وسواء أكانت بالعربية أو بأية لغة من اللغات من كل عبارة تدل على الإنفاذ. والرضا كأجزت ونحوه وهى اما صريحة إذا دلت على ذلك صراحة كأجزت وأنفذت أو غير صريحة إذا ما دلت على ذلك بطريق اللزوم وإلاشارة كأن يقول نعم ماصنعت أو بارك الله لنا فيما فعلت أو يهنأ فيشكر أو يتقبل التهنئة وذلك ماذهب اليه الفقيه أبو الليث وبه كان يفتي الصدر الشهير مالم يظهر أن مثل ذلك قد صدر منه على سبيل الإستهزاء ومرد ذلك الى القرائن وهذا هو المختار (2) ومن الإجازة بطريق الدلالة أمره فضوليا زوجه امرأة بأن يطلقها عندما علم بالزواج لأن الطلاق لايكون إلا فى زواج صحيح نافذ، وفى جامع الفصولين الطلاق فى النكاح الموقوف قيل يعد إجازة وقيل لا..
وتكون بالفعل إذا ما كان أثرا للعقد وتوقفت سلامته عليه كقبض المهر ودفعه وإرساله وقبض الثمن ودفعه وتسلم المبيع وتسليم العين المرهونة إلى المرتهن وتسليم الهبة إلى الموهوب له ونحو ذلك من كل ما يدل على الرضا بخلاف قبض المرأة هدية الزواج إذا زوجها منه فضولى إذ أن ذلك لايعد أثرا للعقد ولا تتوقفه سلامته على العقد فقد تكون الهدية من غير الزوج وقد تقبضها لغرض آخر غير الرضا بالعقد (3) وقيل إنها تتحقق مبعث الهدية الى الزوجة ولا تختلف المذاهب فى هذا الذى ذكرنا. ولكن الزيدية حين تعرضوا للإجازة الفعلية مثلوا لها بالمثال الآتي فقال لو علمت المرأة بالعقد وما سمى لها فيه فلم يصدر منها لفظ إجازه ولكن مكنت الزوج من نفسها كان تمكينها له كالإجازة للعقد والمهر معا حيث وقع التمكين بالوطء أو بمقدماته بعد العلم بالعقد أو التسمية بما لجهلت العقل لم يكن التمكين أجاز وتحد ان مكنته من نفسها لأنها زانية مالم تلحق منها الإجازة بعد أن تعلم فيسقط الحد للشبهة وهو تعذر العقد وأما لو علمت العقد وجهلت التسمية فلا إشكال أن التسمية تبقى موقوفة على أجازتها وقد يبقى العقد موقوفا أيضا فيبطل إذا ردت التسمية ولم ترض بها (4).
هل يعد السكوت إجازة
ذكرنا أن الإجازة تكون بكل مايفيد الرضا من قول أو فعل فهل تكون أيضا بالسكوت عند العلم بالعقد أو بالتصرف أو عند مشاهدته ؟
من القواعد التى ذكرها الفقهاء أنه لاَينسَبْ الى ساكت قوله وقد جاء ذكر هذه القاعدة فى كثير من كتب الحنفية ومنها الأشباه والنظائر لابن نجيم إذ جاءت تحت عنوان القاعدة الثانية عشرة ومقتضاها أن السكوت لا يعد إجازة قولية كما أنه لا يعد فعلا من الأفعال وذلك كله لإينفى أنه قد يفيد الرضا وإن لم يكن قولا أو فعلا ومن الظاهر أن إفادته الرضا مردها الى القرائن التى تحيط به.
وقد جاء فى الأشباه والنظائر: أن الوكالة لاتثبت بالسكوت فإذا رأى أجنبيا يبيع ماله فسكت ولم ينههه لم يكن سكوته توكيلا خلافا لابن أبى ليلى وأن السكوت
لا يعد إذنا للصبى والمعتوه بالتصرف إذا كان من القاضى وحدث السكوت منه وقت تصرفه وكذلك لايعد سكوت المرتهن إذنا للراهن ببيع العين المرهونة ولا يكون أذنا بإتلاف المال إذا ما رأى غيره يتلف ماله فسكت وإذا كانت الإجازة اللاحقة كالأذن السابق فما لايثبت به الإذن لاتثبت به الإجازة وبناء على ذلك لا يكون السكوت إجازة فيما ذكرنا من المسائل ولا فيما يشبهها ويترتب على ذلك أن السكوت لايعد إجازة كما لا يعد إذنا.
غير أنهم قد استثنوا من هذا المبدأ مسائل عديدة ذكرها صاحب الأشباه والحموى بلغت الأربعة والأربعين مسألة ومن هذه المسائل ماعدا السكوت فيه رضا وإجازة
كسكوت البكر البالغة يعد تزويج وليها إياها وسكوتها بعد قبض وليها مهرها وسكوتها إذا بلغت وقد زوجها غير أبيها وجدها وسكوت الواهب عند قبض الموهوب له العين الموهوبة فى حضرته. وسكوت الموقوف عليه بعد الوقف عليه وسكوت الولى إذا رأى الصبى المميز يبيع ويشترى وسكوت الإنسان عند رؤيته غيره يشق زقه إلى غير ذلك من المسائل (5) التى ذكرها وفى جامع الفصولين أن سكوت المالك الحاضر وقت بيع الفضولى لا يعد إجازة وذكر الخير الرملي أن صاحب المحيط ذكر أن سكوته عند البيع وقبض المشترى المبيع يعد رضا وإجازة قال صاحب جامع الفصولين أن مرد الحكم فى ذلك الى القرأئن إذ العبرة فى الإجازة إنما هو تحقق الرضا بالتصرف بأي دليل يدل عليه هذا عند الحنفية وتفصيل القول فى ذلك فى جميع المذاهب يرجع فيه إلى مصطلح (سكوت) (6)
الفرق بين الإجازة والإذن
الإجازة كما بينا إما تنفيذ لتصرف موقوف ومن ثم يترتب عليها إستتباع هذا التصرف لأثاره المترتبة عليه أو إمضاء العقد غير اللازم وإبرامه ومن ثم يترتب عليه سقوط الحق فى فسخه ممن أجازه كما فى البيع بشرط الخيار يجيزه من شرط له الخيار وكما فى شراء عين قبل رؤيتها يجيزه المشترى بعد رؤيتها وعلى ذلك لا تكون إلا تالية للتصرف اما الإذن ويكون سابقا عليه ولذا كان وكالة. أو فى معناها ومن ثم يكون
التصرف الصادر بمقتضاه تصرفا من ذى ولاية بخلاف التصرف الصادر قبل الإجازة فإنه يكون من غير ذى ولاية وقد جاء فى حاشية ابن عابدين فى الفرق بينهما ان الأذن إنما يكون لما سيقع والإجازة إذ تكون لما وقع وأن الأذن يكون بمعنى الإجازة إذا حدث بعد التصرف وكان لأمر وقعت وعلم به الأذن (7) ومعا يجب ملاحظته ان الآذن أو الوكالة يكون فى كل ما يجوز الإذن او الموكل مباشرته من التصرفات والأفعال عند الحنفية إما الإجازة فلا تكون فى كل تصرف يصدر وإنما تختص بالتصرف الموقوفة بسبب يرجع الى نقص الولاية أو عدمها أو تعلق حق الغيرعلى ما يجىء بيانه. كما يلاحظ ان الآذن بالعقد أو بالتصرف يعد توكيلا فيه فيقبل عند الحنفية الرجوع عنه قبل حدوثه من المأذون إما الإجازة فتستتبع أثرها في المال ومن ثم لا يقبل الرجوع فيها من المجيز إذ بمجرد الإجازة ينفذ العقد وإذا نفذ يتوقف بعد نفاذه.
أثر الإجازة فى الأقوال والأفعال
يبنا أن الإجازة فى العقود النافذة التى من شأنها أو من حكمها أن تكون لازمة وقد عرض لها عدم اللزوم بسبب ثبوت خيار فيها سواء أكان خيار شرط ام خيار رؤية أم خيار عيب أم خيار فوات وصف أو نحو ذلك يكون أثرها إمضاء العقد. ولزومه وسقوط الخيار بالنسبة لمن صدرت منة الإجازة وهذا الخلاف فيه بين المذاهب أما إذا كانت فى التصرفات الموقوفة فان أثرها(7) يكون نفاذ هذه التصرفات وترتب آثرها عليها وكأنها قد صدرت من ذى الولاية عليها فإذا كان قد باشرها فضولى أعتبرت صادرة من وكيل بمباشرتها وإذا صدرت من صبى مميز اعتبرت صادرة من الولى عليه وإذا صدرت من المالك ماسة بحق الغير أعتبر المالك مأذونا فيها من صاحب ذلك الحق وهكذا ولهذا قرر الحنفية ان الإجازة اللاحقة كالوكالة السابقة ومعنى ذلك أنها نجعل لمباشر التصرف حكم الوكيل فى مباشرته فيترتب على مباشرته جميع الأحكام التى تترتب على مباشرة الوكيل ويلزم المجيز بما يلزم به الموكل وذلك مع ملاحظة أن ذلك إنما يكون فى الإجازة الصحيحة المستوفية لشروطها وعلى ذلك ترجع حقوق العقد إلى الفضولى فى العقود التى ترجع فيها حقوق العقد الى الوكيل كالبيع وغيره من المعاوضات ولا ترجع إليه فى العقود التى لاترجع فيها حقوقها إلى الوكيل بل يكون فيها سفيرا ومعبر إليه كزواج وما ماثله من كل عقد يعتبر فيه الوكيل. سفيرا ومعبرا وذلك فى رأى من يرى أن حقوق العقد ترجع إلى الوكيل لا إلى الموكل كالحنفية وتفصيل ذلك يعرف فى مصطلح " وكالة " وجملة القول فى ذلك ان إجازة العقد الموقوف تصيره نافذا فى جميع المذاهب وذلك ما يجعلها فى حكم الإذن السابق أو الوكالة السابقة فيكون لها أحكامها على حسب اختلاف المذاهب فى أحكام الوكالة وهذا إذا كانت الإجازة فى التصرفات القولية إما إذا كانت فى تصرف فعلى فقيل أنها لا تلحق الأفعال وقيل إنها تلحق الأفعال كما تلحق الأقوال وعلى القول الأول لايكون
لها أثر ويكون للفعل حكمه وأثره الشرعى الذى يستوجبه حين يصدر ممن لا ولاية له عليه وعلى القول الثانى يكون لها حكم الإذن السابق به: جاء فى الدر المختا ر (8) الإجازة لاتلحق الإتلاف فلو أتلف مال غيره تعديا فقال المالك جزت أو رضيت لم يبرأ المتلف من الضمان ذكره صاحب الأشباه نقلا عن البزازية ولكن نقل صاحب التنوير عن العمارية أن الإجازة تلحق الأفعال وهو الصحيح وبناء عليه تلحق الإتلاف لأنه من جملة الأفعال وجاء فى أبن عابدين تعليقا على ذلك أن الملتقى لو تصدق ياللقطة ثم جاء ربها فأجاز الفعل صحت إجازته وكان لها حكم إذنه وذلك مايدل على أنها تلحق الأفعال ثم نقل عن البيرى على الأشباه أن أحد الورثة إذا اتخذ ضيافة من التركة حال غيبة الآخرين ثم قدموا بعد ذلك وأجازوا.
ثم أرادوا بعد إجازتهم الرجوع فيها وتضمين ذلك الوارث كان لهم ذلك لأن الإتلاف لايتوقف حتى تلحقه الإجازة وذلك يدل على أن الإجازة لا تلحق الأفعال وعلل ذلك بأن الأفعال لاتتوقف حتى تلحقها الإجازة ومعنى ذلك ان الفعل حين يصدر إنما يصدر عن ولاية فيكون بحق أو عن غير ولاية فيكون تعديا ولا تغير الإجازة من طبيعته فلا تجعل ما صدر تعديا صادرا عن حق فيه وعلى ذلك فلا تلحق الإجازة الأفعال وذلك ما يخالف الفرع الخاص بإجازة صاحب اللقطة تصدق الملتقط بها إذ جعلت إجازته كالإذن فلم يكن له حق المطالبة بالضمان وذلك مايتفق مع القول بصحته- وقد ذكر (صاحب الدر) فى مسائل من شتى من كتاب الخنثى أن الإجازة تلحق الأفعال على الصحيح فلو غصب إنسان عينا لأخر فأجاز المالك أخذه إياها صحت إجازته وبرىء الغاصب من الضمان (9) وفى جامع الفصولين غصب شيئا وقبضه فأجاز المالك قبضه برىء من الضمان ولو أودع مال الغير فأجاز المالك إيداعه برئ من الضمان ثم قال والإجازة لا تلحق الأفعال عند أبى حنيفة وتلحقها عند محمد كما تلحق العقود حتى أن الغاصب لو رد المغصوب على أجنبى فأجاز المالك برىء الغاصب عند محمد لا عند الامام ولو بعث بدينه على يد رجل إلى الدائن فجاء الرجل الى الدائن وأخبره ورضى بذلك وقال له اشتر لى به شيئا ثم هلك المال قيل يهلك من مال المدين وقيل يهلك من مال الدائن وهو الصحيح إذ الرضا بقبضه وفى الانتهاء كاءذنه بقبضه فى الإبتداء وهذا التعليل يدل على أن الإجازة تلحق الأفعال وهو الصحيح (10).
وجملة القول أن المسألة خلافية. وعلى القول لصحة الإجازة فى الأفعال يصير الفعل بها وكأنه صدر من فاعله بناء على أنه مأذون به فينسب إلى إذنه وتكون القاعدة عامة فى الأقوال والأفعال أما علي القول الآخر فإنها تكون خاصة بالإجازة فى الأقوال وفى بيان حكم ذلك فى بقية المذاهب يرجع الى مصطلح " تعدى او اعتداء ".
وبناء على ما تقدم فليس بين الإجازة والإذن فرق من حيث صيرورة الفعل مأذونا به منذ وقع على القول بلحوقها للأفعال أما فى الأقوال فإنه يلاحظ أن الإذن بالعقد يجعله نافذا مترتبا عليه أثره منذ نشأ على حسب وصفه وصورته منجزا أو مضافا أو معلقا أما الإجازة فيختلف الحكم فيها عن ذلك فقد ذهب الحنفية الى أنهما إذا كانت. فيما يقبل التعليق ترتب عليه أثره من وقت الإجازة كالطلاق والعتق والكفالة فلا تطلق الزوجة إلا من وقت إجازة الطلاق و لايصير الكفيل ملتزما إلا من وقت أجازته الكفالة أما إذا كانت فيما لا يقبل التعليق فإنها تجعل العقد نافذا منذ صدر وترتب عليه آثاره من ذلك الوقت كالبيع وعلى ذلك إذا أجيز البيع الموقوف نفذ من وقت نشأته وكان للمشترى زوائد البيع وثمراته ومنافعه منذ وقع العقد لا فرق بين ما يحدث قبل الإجازة وما يحدث بعدها. وعللوا ذلك بأن الموقوف كالمعلق على الإجازة فى المعنى وما يقبل التعليق تقتصر آثاره على وقى حدوث الشرط المعلق عليه إذا ما علق. والشرط هنا هو الإجازة وعلى ذلك تقتصر آثار هذا النوع من العقود على وقت الإجازة- وهذا فى عقد موقوف يقبل التعليق أما مالا يقبل التعليق من العقود الموقوفة فلا يكون توققه على الإجازة فى معنى التعليق لأنه لا يقبله ولذا يستند أثره الى وقت إنشائه كالبيع (11) ولمعرفة حكم المذاهب فى ذلك يرجع الى العقد الموقوف فى مصطلح "عقد" .
محل الإجازة
تكون الإجازة فى نوعين من العقود
والتصرفات:
الأول: العقود والتصرفات الموقوفة على إجازة ذوى الشأن فيها ويمكن أجمالها فى العقود والتصرفات التى تصدر ممن لا ولاية له كالفضولى. والصبى المميز بالنسبة إلى ما يتردد بين النفع والضرر والسفيه وكذلك التصرفات التى تصدر فى محل تعلق به حق الغير كبيع المرهون والمستأجر والتبرع فى مرض الموت صريحا او ضمنا كالمحاباة فى المعاوضات وبيع المورث لبعض ورثته والوصية لهم والوصية بأكثر من الثلث وتبرع المحجور عليه للمدين وتبرع من أحاط الدين بماله عند بعض الفقهاء وان لم يحجر عليه وتصرف الرقيق ويضاف إلى ذلك تزوجه وتزوج الصبى المميز ويخر ذلك من العقود والتصرفات الموقوفة- وفى بيان هذه العقود وتفصيل القول فيما يعد من العقود والتصرفات موقوفا او باطلا او نافذا فى مختلف المذاهب يرجع إلى مصطلح " عقد وتصرف "- غير أنه مما يستحسن الإشارة إليه بأجمال هنا أن من العقود مايعد فى بعض المذاهب موقوفا وفى بعضها باطلا كعقد الفضولى وتصرفه وغد الصبى المميز فيما يتردد بين النفع والضرر فذلك يعد موقوفا عند الحنفية إذا كان له مجيز وقت إنشائه وحينئذ ينفذ بالإجازة اما ضد الشافعية فيعد باطلا لا تلحقه الإجازة. وتبرعات الفضولى تعد باطلة عند الشافعية والمالكية وعلى رواية عند الحنابلة فلا تلحقها الإجازة وتعد موقوفة عند الحنفية فتنفذ ، الإجازة ولسنا هنا بصدد بيان الموقوف فى مختلفا المذاهب ولذا تكتفى فيه بهذا القدر وكذلك يلاحظ أن العقد قد يعد موقوفا بالنظر إلى شخص فلا ينفذ بالنسبة إليه الا بإجازته بينما يعد نافذا لازما بالنظر الى آخر فلا يتوقف ولا يكون بحاجة الى إجازته وذلك كما فى بيع المرهون وبين المستأجر ويرجع إذا ذلك فى مصطلح " بيع " وكذلك يلاحظ أن تبرع من أحاط الدين بماله محل خلاف بين الفقهاء فى كونه موقوفا على الإجازة عند من يرى وقفه أو غير موقوف عند غيره.
النوع الثانى: العقود والتصرفات اللازمة التى دخلها خيار فصارت به غير لازمة أو روعى أن لزومها يمس حق الغير فجعل له حق فسخها أوطلب فسخها دفعاَ للضرر عن نفسه وذلك كعقود المعاوضات التى دخلها خيار الشرط أو خيار الرؤية أو خيار العيب او فوات الوصف مثل البيع والإجارة والصلح، وكذلك تزويج المرأة البالغة العاقلة نفسها من غير كفء أو بأقل من مهر مثلها، فإن العقد يكون غير لازم، إذ لوليها العاصب حق الإعتراض. وطلب الفسخ إجارته فى هذه الحال تسقط حقه فى الاعتراض وتجعل العقد لازما.
تصرفات المكره
من التصرفات التى تلحقها الإجازة فى بعض المذاهب تصرف المكره وإن لم يعد موقوفا فيها. وقد اختلف فقهاء الحنفية فى وصف العقد الصادر من المكره فقال زفر هو عقد موقوف على إجازته منه بعد زوال الإكراه فإذا كان
بيعا لايثبت به الملك إلا بعد الإجازة أماباقى فقهاء المذهب فقد قالوا هو عقد فاسد يثبت به الملك عند القبض وبإجازة المالك بعد زوال الإكراه يرتفع المفسد هو الإكراه وعدم الرضا، بناء على أن ركن العقد قد صدر من أهله مضافا الى محله . والفساد إنما كان لفقد شرط هو الرضا وبارتفاع المفسد وهوالاكراه وعدم الرضا ينفذ العقد (12) وفى ذلك يقول السرخسى فى مبسوطه " الإكراه لا يمنع انعقاد أصل البيع فقد وجد مابه ينعقد البيع من الإيجاب والقبول من أمله فى محل قابل له ولكن إمتنع نفوذه لإنعدام تمام الرضا بسبب الإكراه فإذا أجاز البيع غير مكره فقد تم رضاه به ولو أجاز بيعا باشره غيره نفذ بإجازته فإذا أجاز بيعا باشره هو كان بالنفاذ أولى وبيع المكره فاسد (13) ويرى الجمهور أنه باطل لاتلحقه إجازة ، ويرجع فى تفصيل أحكام المذاهب فى ذلك الى مصطلح (إكراه)
تصرف الهازل
يجرى على لسان فقهاء الحنفية أن تصرف الهازل باطل إلا فيما أستثنى بالحديث ونزل فيه الهازل منزلة الجاد لقوله صلى الله عليه وسلم ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والوصية وفى رواية العتق.
وفى ذلك يقول. الكاسانى فى بيع الهازل " ولا يصح بيع الهازل لأنه متكلم بكلام البيع لا على إرادة حقيقته فلم يوجد الرضا
بالبيع فلا يصح بخلا ف طلاق الهازل فإنه واقع لأن الهزل فى باب الطلاق ملحق بالجد شرعا، قال صلى الله عليه وسلم ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد الطلاق والنكاح والعتاق. فألحق الهازل بالجاد فيه ومثل هذا لم يرد بالبيع، والهزل يمنع البيع لأنه يعدم الرضا بمباشرة السبب " ولكن جاء فى "الحموى " على الأشباه أن مراد الفقهاء ببطلانه أنه كالباطل فى الحكم من حيث أنه لإيفيد ملكا بالقبض ولكن الواقع أنه فاسد بدليل أن فساده يرتفع بعدول لهازل عن هزله وبالعدول يصح العقد وينفذ بلا حاجة أى تجديده وذلك صريح فى أن تصرف الهازل تلحقه إجازة الهازل له وهو جاد فى إجازته فينفذ وإن وصف بالبطلان وبالفساد راجع مصطلح (هز) لبيان حكام المذاهب فى ذلك.
شروط الإجازة
إذا كانت إجازه لعقد معاوضة أشترط فيها ما يأتى عند الحنفية:
لأول: أن تصدر حال حياة من باشر العقد من غير ولاية إذا كان سينقلب بها وكيلاَ يرجع إليه حقوق العقد وذلك يكون فى عقود المعاوضات التى يباشرها فضولى مثل البيع والإجارة إذ بالإجازة ينقلب وكيلا وترجع إليه حقوق العقد فإذا باشر فضولى عقدا من هذه العقود ثم توفى قبل إجازته بطل العقد ولم تلحقه إجازة بعد ذلك ممن عقد له العقد وعلى ذا لم ينفذ العقد على الفضولى كما فى الشراء والاستئجار لأنه
فى هذه الحال لايتوقف بل ينفذ عليه " راجع مصطلح فضولى" لهذا لزم أن تكون الإجارة حال حياته ليقوم بما التزم به من حقوق نتيجة لعقده أما العقود الأخرى التى يعتبر فيها الوكيل سفيرا ومعبرا فلا ترجع إليه فيها الحقوق ومن ثم إذا باشرها فضولى وانقلب بالإجازة وكيلا كان حكمه حكم الرسول فصار فيها سفيرا ومعبرا وأنتهت مهمته فيها بإنتهاء عبارته فإذا توفى ثم أجيزت بعد وفاته نفذت ولزمت إذ ليس مناك حق لزمه بعقد وفات بوفاته وبناء على ذلك إذا زوج فضولى إمرأة ثم توفى كان للزوجة أن تجيز هذا العقد بعد وفاته ويصير العقد بإجازتها نافذا لازما وكذلك الحكم إذا كان الفضولى قد باشر العقد عن الزوج كان للزوج إجازته بعد وفاة الفضولى.
ويلاحظ إشتراط هذا الشرط فى التصرف الموقوف الصادر من الصبى المميز أو من السفيه أومن الراهن أو من المؤجر أو من المتبرع فى مرض الموت أو من المحجور عليه للمدين- فيجب أن تكون إجازته فى حياتهم إذ بوفاتهم قبل أجازته تبطل لعدم تمامه قبل الوفاة أما إجازه الوصية للوارث أو بأكثر من الثلث فلاتصح عند الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض الزيدية إلا بعد وفاة المتصرف وهو الموصى وذهب عطاء وربيعة الرأى وحماد وعبد الملك بن يعلى والأوزاعى وأبن أبى ليلى الى صحتها حال حياة الموصى وبعد وفاته وهذا الرأى هو المعتمد عند الزيدية والإباضية وكذلك هو المعتمد عند الشيعة الجعفرية بالنظر إلى الوصية بأكثر من الثلث أما الوصية للوارث فنافذة عندهم.
ويرى مالك صحة الإجازة حال حياة الموصى إذا كانت فى أثناء مرضه مرضا مخوفا يغلب فيه الموت وقدمات منه ولم يكن هناك ما يحمل الوارث عليها وأرجع إلى تفصيل الأحكام الى مصطلح " وصية " عند كلام عن إجارتها
الثانى : أن تصدر الإجازة حال حياة من عقد العقد له فإذا كان بين فضولى وآخر وجب أن تصدر حال حياة من عقد له الفضولي وإذا كان بين فضوليين وجب أن تصدر حال حياة من عقد العقد لهما وذلك يظهر معنى نفاذها بمطالبة من نسب إليه العقد بما يوجبه عديه بعد نفاذه بالإجازة وعلى ذلك لا يصح إجازة بيع الفضولى بعد والوفاة المشترى منه ولا بعد وفاة البائع بإجازته من ورثته إذ يبطل العقد حينئذ بوفاة البائع المالك إذ ليس لورثته حق إجازته كما لاتصح إجازة عقد النكاح بعد وفاة حد الزوجين وبعد وفاة الموصى له ولا تصح بعد وفاة من باشر العقد مع الصبى المميز أو السفيه لبطلان العقد ووفاته قبل تمامه وارجع فى تفصيل أحكام هذأ الموضوع الى العقد الموقوف فى مصطلح (عقد)
الثالث: أن تصدر الإجازة حال بقاء محل العقد حتى يظهر أثرها فيه عند صدورها
فلا تصح إجازة البيع بعد هلاك البيع بعد وإذا كان الثمن عرضا أى عينا كان بقاؤه الى صدورها شرطا فى صحتها أيضا لأنه فى هذه الحال يعد مبيعا اشتراه لنفسه فينفذ عليه والإجازة هنا تعد إجازة بنقد ثمن هذه العين من مال المجيز فإذا لم يصر اليه كان عليه مثلي ان كان مثليا وقيمته أن كان قيماً للمجيز (14)
الرابع: أن يكون المجيز أهلا لمياشره التصرف الذى أجازه فيجب أن يكون أهلا للتبرع إذا كان التصرف تبرعا وأهلا للمعاوضة إذا كان التصرف بيعا أو إجازة ونحو ذلك إذن الإجازة لهاء فيجب فيها من الشروط ما يجب فى الإنشاء وعلى ذلك ألا تصح إجازة المحجور على " للدين لتبرع باشره عنه فضولى ولا إجازتة صبى مميز أو سفيه لمعاوضة باشرها عنه فضولى ولا أجازته لوصية لوارث أو بأكثر من الثلث- ويرى الحنابلة صحة إجازة الى المحجور عليه الدين لوصية متوقفة وذلك على القول بان الإجازة تنفيذ لا على القول بأنها عطية (15)
الخامس: أن يكون المجيز عالما محل العقد من وجود أو عدم عند أبى يوسف رحمة الله خلافا لمحمد فإذا أجاز المالك وهو غير عالم لقيام محل العقد لم تصح الإجازة عند أبى يوسف وصحت عند محمد رحمه الله (16)

__________

(1) المصباح المنير والقاموس المحيط مادة "جوز"
(2) جامع الفصولين ج1ص228
(3) فتح القدير ج3ص431 طبعة بولاق.
(4) التاج المذهب ج2ص55،ص56
(5) الأشباه والنظائر الفن الاول ص184طبعة اسلامبول.
(6) ابن عابدين ج2 ص383 طبعة بولاق1323.
(7) (جامع الفصولين) ج ا ص231 بولاق.
(8) ج5 ص139 .
(9) الدر المختار ج 5ص 538 طبعة الحلبى.
(10) جامع الفصولين ج1 ص 237.
(11) ابن عابدين ج2ص539.
(12) شرح النهاية .والنهاية وتكملة فتح القدير ج7 ص292 كتاب الإكراه وما بعدها مطبعة المكتبة التجارية.
(13)المبسوط للسرخسى ج24 ص93، ص94.
( 14) فتح القدير ج5 ص312
(15) المغنى ج6ص429
(16)الهداية والفتح والعناية ج5 ص311،ص312،ص
313
(1/70)
إجٌبارُ

تعريف الإجبار لغة:
الجبار صفة من الإجبار وهو القهر و الإكراه قال أبن الأثير ويقال جبر الخلق وأجبرهم ويقال رجل جبار مسلط قاهر ومنه قوله وما أنت عليهم بجبار- وأجبره أكرهه. يقال أجبر القاضى الرجل على الحكم إذا أكرهه عليه. وتميم تقول جبرته على الأمر أجبره جبر ا وجبورا. قال الأزهرى وهى لغة معروفة كان الشافعى يقول جبر السلطان وهو حجازى فصيح فهما لغتان جيدتان وهما جبرته وأجبرته (1)
الإجبار اصطلاحا:
ليس له تعريف مخصوص فى كتب الفقه ويمكن تعريفه أخذا من إستعمالات الفقهاء بأنه حمل الغير من ذى ولإية بطريق الإلزام على عمل تحقيقا لحكم الشرع "الفرق بين الإجبار وألا كراه"
من تعريف كل من الإجبار والإكراه فى الاصطلاح يمكن معرفة الفرق بينهما لأن المعنى اللغوي لكل منهما قد يكون متقاربا إذا الإكراه فى اللغة يتضمن القهر (2)
وفى الاصطلاح هو الحمال على الفعل الأبعاد والتهديد مع وجود شرائطه المقررة فى باب الإكراه وإذاً يكون الفرق بينهما أن الإجبار يكون ممن له ولاية شرعية فى حمل الغير على فعل مشروع أما الإكراه فيكون من ذى قوة على تنفيذ ما توعدبه فى سبيل حمل الخير على فعل أمر غير مشروع على تفصيل موضعه مصطلح إكراه (3)
ما يرد فيه الإجبار
يرد الإجبار فى كثير من أبواب الفقه المختلفة كالإجبار فى القسمة والإجبار فى
حقوق الجوار والإجبار على كرى النهر و الإجبار على الشركة الإجبار فى الشفعة والإجبار على الوفاء بالدين والإجبار على الأوضاع والإجبار على النكاح وألاجبار على الكلالة والإجبار على تولى القضاء والإجبار على تولى الخصومة والإجبار على رد المغصوب والمستأجر والإجبار على الزكاة والإجبار على عمارة المشترك من دار أو جدار وغير ذلك.
ولما كان بعض الفقهاء قدعبر عن الإجبار بالمعنى المذكور بكلمة "جبر" فانظر أحكامه فى مصطلح "جبر"

__________

(1) لسان العرب ص16ص114،ص116
(2) المصباح ج3مادة:جبر
(3) البدائع ج7 باب الإكراه
(1/71)
اجتهاد

الاجتهاد فى اللغة
تحمل الجهد (أى المشقة)، فلا يستعمل لغة على سبيل الحقيقة إلا فيما فيه مشقة، فلا يقال اجتهد فى حمل الخردلة إلا على نحو من التجوز لضعف الحامل مثلا(1).
الاجتهاد عند الأصوليين
وهو فى اصطلاح الأصوليين بذل الفقيه غاية جهده فى تحصيل حكم شرعى بحيث يشعر من نفسه أنه عاجز عن المزيد على ذلك(2).
وعرفه ابن حزم بأنه استنفاد الطاقة فى حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم، لأن أحكام الشريعة كلها متيقن أن الله تعالى قد بينها بلا خلاف، وهى مضمونة الوجود لعامة العلماء، وإن تعذر وجود بعضها على بعض الناس، فمحال ممتنع أن يتعذر وجوده على كلهم، لأن الله تعالى لا يكلفنا ما ليس فى وسعنا، وما تعذر وجوده على الكل فلم يكلفنا الله تعالى إياه(3).
والاجتهاد نوعان عند من يقول بإمكان تجزى الاجتهاد: اجتهاد مطلق فى جميع الأحكام، وهو ما يقتدر به على استنباط الأحكام القليلة من أمارة معتبرة عقلا أو نقلا فى الموارد التى يظفر فيها بها(4).
واجتهاد فى حكم دون حكم، وهو ما يقتدر به على استنباط بعض الأحكام، ولابد بالنسبة للمجتهد فى هذا من أن يعرف جميع ما يتعلق بهذا الحكم، ومن جملة ما يعرفه فيه أن يعلم أنه ليس مخالفا لنص أو إجماع ولا يشترط معرفة ما يتعلق بجميع الأحكام، ويشترط للاجتهاد المطلق عند أهل السنة شروط:
الأول: معرفة مواقع آيات الأحكام من الكتاب بحيث يتمكن من الرجوع إليها عند الحاجة، ولا يتمكن من الرجوع إليها إلا إذا عرف:
(أ) معانى مفرداتها وتراكيبها وخواص ذلك فى الإفادة والاستفادة.
فمعرفة معانى مفرداتها تقتضى أن يعرف وضع كل منها مما يدرك بدراسة كتب اللغة والصرف، ومعانى التراكيب تحتاج إلى النحو، وخواص ذلك تحتاج إلى علوم البلاغة من المعانى والبيان.
(ب) معانيها شريعة، وتتوقف على معرفة علم أصول الفقه، فيعرف علل الأحكام الشرعية كمعرفة أن الحدث المعبر عنه بقوله تعالى: ( أو جاء أحد منكم من الغائط ((5) علته النجاسة فقيس عليه كل خارج نجس وكمعرفة العلة فيما له مفهوم موافق، إذ أن المجتهد لمعرفته بالأحكام المتبادرة لكل عالم باللغة يتبين أن العلة شاملة كشمول دلالة النص فتقدم على القياس.
(ج) أقسام الكتاب من العام والخاص والمشترك والمجمل والخفى والظاهر والناسخ والمنسوخ وغير ذلك من تقسيمات الأصوليين، وهذا شىء آخر غير معانيه على ما هو واضح.
الشرط الثانى: أن يعرف من السنة متنا وسندا القدر الذى تتعلق به الأحكام بأن يعرف بالنسبة للمتن نفس الأخبار أنها رويت بلفظ الرسول أو بالمعنى ومواضع المتن لهذا القدر بحيث يتمكن من الرجوع إليه عند الحاجة كما ذكرنا فى معرفة الكتاب، ويعرف بالنسبة للسند سند ذلك القدر من تواتر أو شهرة أو آحاد، وفى ذلك معرفة حال الرواة من الجرح والتعديل، ويكتفى فى هذا الزمان بتعديل أئمة الحديث الموثوق بهم كالبخارى ومسلم والبغوى وغيرهم من أئمة الحديث، وجملة ما يشترط فى معرفة السنة على ما ذكره الغزالى خمسة شروط:
1- معرفة طرقها من تواتر وآحاد لكون المتواترات قطعية الثبوت، والآحاد ظنية الثبوت.
2- معرفة طرق الآحاد وروايتها ليعمل بالصحيح منها ويبعد عن غيره.
3- معرفة أحكام أقوال الرسول وأفعاله ليعلم ما يوجبه كل منها.
4- معرفة ما انتفى عنه الاحتمال وحفظ ألفاظ ما وجد فيه الاحتمال.
5- معرفة الترجيح بينه وبين ما يعارض من الأخبار.
الشرط الثالث: معرفة أنواع القياس عند القائلين به، والمراد منها الأنواع الثلاثة الآتية:
الأول: قياس العلة: إثبات حكم معلوم فى معلوم آخر لاشتراكهما فى علة الحكم عند المثبت. كقياس الحنفية، الخارج النجس من غير السبيلين كالدم الذى يسيل إلى موضع يلحقه حكم التطهير على الخارج من السبيلين لعلة خروج النجاسة.
الثانى: قياس الدلالة (مساواة فرع لأصل فى وصف جامع لا يكون علة للحكم بل يكون لازما مساويا لعلة الحكم) كقياس المكره بالقتل على المكره بجامع الإثم، والإثم ليس علة للقصاص بل هو مساو لها كمساواة الضاحك للناطق فى الأفراد.
الثالث: قياس العكس (إثبات نقيض حكم الأصل فى الفرع لوجود نقيض علته فيه) كما قاس الرسول عليه الصلاة والسلام وطء المنكوحة فأثبت الأجر فيه قياسا على وطء المحرمة فى إثبات الوزر بقياس العكس، وقد سئل عليه الصلاة والسلام: أيأتى أحدنا شهوته، أى الحلال، فيكون له أجر.
فقال: أرأيت لو وضعها فى حرام يكون عليه وزر(6).
ويرجع إلى مصطلح " قياس ".
وقالت طائفة: لا موضع البتة لطلب حكم النوازل من الشريعة ولا لوجوده إلا إلى نص القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دلالتهما على حكم تلك النازلة دلالة لا تحتمل إلا وجها واحدا، وهذا قول جميع أهل الإسلام قطعا، وهو قول جميع أصحابنا الظاهريين، وبه نأخذ(7).
وقال أيضا: وجوه الاجتهاد تنحصر فيما جاء فى القرآن، والخبر المسند بنقل الثقات إلى النبى عليه الصلاة والسلام إما نصا على الاسم وإما دليلا من النص لا يحتمل إلا معنى واحدا.
فإن قال قائل: فكيف يفعل العالم إذا سئل عن مسألة فأعيته أو نزلت به نازلة فأعيته، قيل له: وبالله تعالى التوفيق يلزم أن يسأل الرواة عن أقوال العلماء فى تلك المسألة النازلة ثم يعرض تلك الأقوال على كتاب الله تعالى وكلام النبى عليه السلام كما أمره الله تعالى، إذ يقول:( فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ((8)، وإذ يقول: ( وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله((9)، وقوله تعالى: ( فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ((10) فليرد ما اختلف فيه من الدين إلى القرآن والسنة الواردة عن النبى عليه السلام، وليتق الله ولا يرد ذلك إلى رجل من المسلمين لم يؤمر بالرد إليه(11). وقال ابن حزم: الاجتهاد فى طلب حكم الله تعالى ورسوله عليه السلام فى كل ما خص المرء من دينه لازم للكل لم يخص الله تعالى بذلك عاميا من عالم(12).
ومجتهدو الشيعة لا يسوغون نسبة أى رأى يكون وليد الاجتهاد إلى المذهب ككل بل يتحمل كل مجتهد مسئولية رأيه الخاص(13).
وما كان من ضروريات المذهب يصح نسبته إليه وهم مجتهدون ضمن إطار الإسلام، وهو معنى الاجتهاد المطلق(14). والشيعة لا يرون أئمتهم مجتهدين، وإنما يرونهم مصادر يرجع إليها لاستقاء الأحكام من منابعها الأصيلة، ولذلك يعتبرون ما يأتون به من السنة.
فأقوال أهل البيت إذن مصدر من مصادر التشريع لديهم وهم مجتهدون فى حجيتها كسائر المصادر والأصول(15).
محل الاجتهاد وحكمه
كل حكم(16) شرعى ليس فيه دليل قطعى هو محل الاجتهاد، فلا يجوز الاجتهاد فيما ثبت بدليل قطعى كوجوب الصلوات الخمس والزكوات وباقى أركان الإسلام وما اتفقت عليه جليات الشرع التى تثبت بالأدلة القطعية.
فالاجتهاد المقصود هنا هو الاجتهاد فى الظنيات على ما ظهر من تعريفه السابق عند الجمهور.
والاجتهاد بالظنيات عند الجمهور حكمه غلبة الظن بأن ما وصل إليه المجتهد باجتهاد هو الحكم الصواب ويحتمل أن يكون خطأ عند أهل السنة (والمراد بالصواب: الموافقة بما عند الله فى الواقع ونفس الأمر. والمراد بالخطأ: المخالفة بما عند الله فى الواقع ونفس الأمر).
وأصحاب هذا الرأى يطلق عليهم اسم " المخطئة "، ورأيهم هو المختار عند الحنفية وعامة الشافعية بأدلته الآتية: وعامة المعتزلة يقولون: كل مجتهد مصيب وهذا الخلاف بين أهل السنة وبين عامة المعتزلة ناشئ عن الخلاف فى أن لله تعالى حكما معينا قبل الاجتهاد أولا. فعند أهل السنة لكل حادثة حكم معين عند الله تعالى عليه دليل ظنى إن وجده المجتهد أصاب وله أجران: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإن اخطأ فله أجر الاجتهاد فقط فإذا اجتهدوا فى حادثة وكان لكل مجتهد حكم، فالحكم عند الله تعالى واحد وغيره الخطأ.
وقالت المعتزلة: لا حكم قبل الاجتهاد بل الحكم تابع لظن المجتهد حتى كان الحكم تابعا لظن المجتهد، حتى كان الحكم عند الله تعالى فى حق كل واحد مجتهده هو وكل المجتهدات صواب ، فكأن الشرع يقول كل ما وصل إليه المجتهد باجتهاده فهو الحكم فى حقه، وأصحاب هذا الرأى يطلق عليهم اسم " المصوبة ".
الأدلة على أن الحق واحد
استدل القائلون بأن الحق واحد، وهم الأئمة الأربعة وعامة الأصوليين من أهل السنة بأدلة منها.
أما الكتاب قوله تعالى: ( وداود وسليمان إذ يحكمان فى الحرث إذ نفثت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما ((17).
وجه الدلالة: أنه تعالى خص سليمان بالفهم فى قوله ففهمناها سليمان، ومنَّ عليه، وكمال المنة فى إصابة الحق، فلو كانا مصيبين لما كان لتخصيص سليمان بالفهم فائدة، ولا مانع من القول، بمفهوم المخالفة فى هذا الموضع عند الحنفية، وواضح أنهما حكما بالاجتهاد لأنه لو كان حكم داود بالنص لما وسع سليمان مخالفته ولما جاز رجوع داود عنه.
وأما السنة فهى الأحاديث الدالة على ترديد الاجتهاد بين الصواب والخطأ، وهى كثيرة، منها ما روى أنه عليه السلام قال: " جعل الله للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا " وقال ابن حزم الظاهرى: أقسام المجتهدين بقسمة العقل الضرورية لا تخرج عن ثلاثة أقسام عندنا:
1- مصيب نقطع على صوابه عند الله تعالى.
2- ومخطئ نقطع على خطئه عند الله تعالى.
3- أو متوقف فيه لا ندرى أمصيب عند الله تعالى أم مخطئ.
وإن أيقنا أنه فى أحد الخيرين عند الله تعالى بلا شك، لأن الله تعالى لا يشك بل عنده علم حقيقة كل شىء ، لكنا نقول مصيب عندنا ومخطئ عندنا، أو نتوقف فلا نقول أنه عندنا مخطئ ولا مصيب، وإنما هذا فيما لم يقم على حكمه عندنا دليل أصلا، وما كان من هذه الصفة فلا تحل الفتيا فيه لمن لم يلح له وجهة، إذ لا شك أن عند غيرنا بيان ما جهلناه، كما أن عندنا بيان كثير مما جهله غيرنا، ولم يعر بشر من نقص أو نسيان أو غفلة(18).
وقال أيضا: إن المجتهدين قسمان، إما مصيب مأجور مرتين، وإما مخطئ، والمخطئ قسمان، مخطئ معذور مأجور مرة وهو الذى أداه اجتهاده إلى أنه على حق عنده، ومخطئ غير معذور ولا مأجور ولكن فى جناح وإثم، وهو من تعمد القول بما صح عنده الخطأ فيه، أو بما لم يقم عنده دليل باجتهاده على أنه حق عنده(19).
أنواع الاجتهاد
الأول: اجتهاد فى دائرة النص وهو يتضمن الاجتهاد فى معرفة القواعد الكلية التى هى الدليل الإجمالى كاجتهاد الحنفية فى دلالة العام والمطلق أنها قطعية فى مدلولها فلا يخصصها ولا يقيدها خبر الآحاد إلا إذا صارت ظنية بالتخصيص والتقييد كاجتهاد الشافعية فى أن دلالة العام والمطلق ظنية فتخصص بأخبار الآحاد.
الثانى: الاجتهاد بطريق النظر يتضمن قياس المجتهد أمرا لا نص فيه ولا إجماع. على ما ورد فيه نص أو حكم مجمع عليه كما يتضمن استنباط الحكم من قواعد الشريعة الإسلامية العامة مما يطلق عليه البعض الاجتهاد بالرأى.
وقال ابن حزم: نص الله تعالى على أنه لم يكل بيان الشريعة إلى أحد من الناس ولا إلى رأى ولا إلى قياس، ولكن إلى نص القرآن وإلى رسوله عليه السلام فقط، وما عداهما فضلال وباطل ومحال(20).
اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم
اختلف العلماء فيه على أربعة آراء:
الأول ليس له ذلك لقدرت على النص بنزول الوحى، وإليه ذهب أبو على الجبائى وأبو هاشم، ونقله أبو منصور الماتريدى عن أصحاب الرأى.
لأنه لو جاز له صلى الله عليه وسلم الاجتهاد لجاز مخالفته لمجتهد آخر لأن أحكام الاجتهاد تجوز مخالفتها.
الثانى: أن ذلك جائز له ووقع منه فعلا، وإليه ذهب الجمهور محتجين بما وقع من مثل قياسه القبلة على المضمضة فى عدم إفساد الصوم، وقياسه دين الله على دين العباد فى وجوب قضاء الحج.
ويرى كثير من الحنفية أنه صلى الله عليه وسلم مأمور بانتظار الوحى فإن لم يرد كان عدم وروده أذنا له بالاجتهاد.
الثالث: وقوعه فى الحروب والآراء دون الأحكام الشرعية كالتأبد وأخبار مكان نزول الجيش فى موقعة بدر.
الرابع: التوقف عن القطع فى ذلك، وحكاه الآمدى عن الشافعى فى رسالته(21).
أدلة القائلين بأنه صلى الله عليه وسلم متعبد بالقياس:
من الكتاب قوله تعالى: ( فاعتبروا يا أولى الأبصار ((22)، والنبى منهم.
وقوله تعالى: ( ففهمناها سليمان ( وقد سبق بيان وجه الدلالة فيها.
وأبو يوسف احتج بعموم قوله تعالى:
( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ((23) أى بما جعله الله لك رأيا.
ومن السنة حديث الخثعمية، قالت: يا رسول الله، إن أبى مات وعليه حجة أفأحج عنه؟
قال عليه الصلاة والسلام: " أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزيه" قالت: نعم.
قال: " فدين الله أحق بالقضاء ".. قاس رسول الله صلى الله عليه وسلم دين الله على دين العباد.
وبحديث القبلة للصائم لما سأل عمر رضى الله عنه عنها أهى تفطر الصائم؟
قال عليه الصلاة والسلام: " أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته.. " إلى أخر الرواية، اعتبر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة الجماع وهى القبلة بمقدمة الشرب وهى المضمضة فى عدم فساد الصوم.
أما المعقول فهو أن الاجتهاد مبنى على العلم بمعانى النصوص، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أسبق الناس فى العلم حتى كان يعلم المتشابه الذى لا يعلمه أحد من الأمة بعده(24).
الاجتهاد فى زمن الرسول
جواز الاجتهاد:
اختلفوا فى جواز الاجتهاد لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فى زمنه على مذاهب: الأول: يجوز الاجتهاد مطلقا بحضوره وغيبته ونقل عن محمد بن الحسن واختاره الغزالى والآمدى ودليله أن الأمر بالاجتهاد غير ممتنع عقلا، فيجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: قد أوحى إلى أنكم مأمورون بالاجتهاد والعمل، فإن ذلك لا يلزم منه محال لا لذاته ولا لغيره.
الثانى: يمتنع مطلقا فى زمنه صلى الله عليه وسلم، دليله أن أهل عصره عليه الصلاة والسلام قادرون على الرجوع إليه فامتنع ارتكاب طريق الظن وهو الاجتهاد مع القدرة على النص من الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبيح أن يترك القادرون على العمل باليقين فيعمدون إلى العمل بالظن.
الثالث: يجوز للغائبين من القضاة والولاة دون الحاضرين ودليل الامتناع للحاضرين هو الدليل الذى سبق فى الرأى الثانى، ودليل الجواز للقضاة والولاة هو الوقوع، والوقوع أكبر دليل على الجواز.
الرابع: أنه إذا ورد فيه إذن خاص جاز وإلا فلا، فهو ممتنع عقلا لغير إذن خاص ودليله هو المذكور فى الرأى الثانى أيضا على أن الجواز للغائب لضرورة تعسر الرجوع أو تعذره إليه صلى الله عليه وسلم والإذن الخاص يقتضى الاطمئنان إلى أنه لا يخطئ.
وقوع الاجتهاد فى زمن النبى (صلى الله عليه وسلم)
اختلفوا فى وقوع هذا الاجتهاد على أقوال:
الأول: أنه لم يقع اجتهاد من غيره صلى الله عليه وسلم فى زمنه أصلا، ولو وقع لنقل إلينا، وأيضا فإن الصحابة كانوا يرفعون إليه صلى الله عليه وسلم الحوادث ولو كانوا مأمورين بالاجتهاد لم يرفعوها.
الثانى: أن الاجتهاد فى زمنه وقع من الحاضرين والغائبين. أما الغائبون فدليل وقوعه لهم حديث معاذ لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وقال له صلى الله عليه وسلم: " بم تقضى؟ ". قال: بكتاب الله.
قال: " فإن لم تجد؟ ".
قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: " فإن لم تجد؟ ".
قال: أقضى برأيى.
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:
" الحمد لله الذى وفق رسول رسوله إلى ما يرضى به رسوله "، وهذا الحديث مشهور تلقته الأمة بالقبول فصح أن يثبت به أصل من أصول الدين.
وأما الحاضرون فدليل الوقوع لهم أولا: تحكيم سعد بن معاذ فى بنى قريظة وعمرو بن العاص وعقبة بن عامر ليحكما بين رجلين.
وثانيا: قوله تعالى: ( وشاورهم فى الأمر ((25).
الثالث: أنه وقع من غائبين دون الحاضرين وهو رأى الأكثر ودليل الوقوع للغائبين حديث معاذ السابق ذكره، أما حديثا التحكيم لسعد ولعمرو بن العاص وعقبة فهما من أخبار الآحاد التى لا تثبت بها أصول الدين.
الاجتهاد بعد زمن الرسول
أما الاجتهاد بعد عصره فجائز عند عامة الأصوليين والفقهاء بالشروط التى سبق توضيحها لم يخالف فى ذلك إلا الشيعة الذين يقولون بعصمة أئمتهم وأنهم مصادر التشريع على ما سبق بيانه.
ولكن فى حالة غيبة الإمام يجوزون الاجتهاد. وباب الاجتهاد المطلق مفتوح عندهم(26).
جواز خلو الزمان عن مجتهد
يجوز خلو الزمان عن مجتهد عند أبى حنيفة ومالك والشافعى والسلف جميعا ومنع الحنابلة ذلك فقالوا: لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد.
استدل القائلون بالجواز بأنه ليس ممتنعا لذاته، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال فلو كان ممتنعا لكان ممتنعا لغيره والأصل عدم الغير. وقد قال صلى الله عليه وسلم: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فيسيئوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " ، وهذا ظاهر فى جواز خلو الزمان عن مجتهد.
واستدل الحنابلة بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين على الحق حتى يأتى أمر الله " ، وهو ظاهر فى عدم الخلو إلى يوم القيامة أو إلى أشراط الساعة.
وقالوا أيضا: الاجتهاد فرض كفاية، فيكون انتفاؤه بخلو الزمان عن المجتهد مستلزما لاتفاق المسلمين على الباطل وأنه محال. (انظر مصطلح " مجتهد ")

__________

1) ترتيب القاموس المحيط ج1 ص467 مادة جهد.
2) انظر التلويح حاشية التوضيح على متن التنقيح ج2 ص117، 118، مطبعة دار الكتاب العربى ومختصر المنتهى ج2 ص389، 390 من القسم المطبوع بمطبعة الخشاب بمصر.
3) الأحكام لابن حزم ج 8 ص133 الطبعة الأولى سنة 1347 هجرية .
4) الأصول العامة للفقه المقارن ص579 الطبعة الأولى طبع بيروت سنة 1963م.
5) سورة المائدة:6.
6) انظر باب الاجتهاد فى حاشية السعد على شرح التوضيح ج2 من ص118 إلى آخر هذا المبحث.
7) الأحكام لابن حزم الظاهرى ج8 ص134.
8) سورة الأنبياء:7.
9) سورة الشورى: 10.
10) سورة النساء: 59.
11) الأحكام لابن حزم الظاهرى ج6 ص150.
12) المرجع السابق ج8 ص151.
13) المرجع السابق ص596.
14) المرجع السابق ص596.
15) الأصول العامة للفقه المقارن لتقى الدين الحكيم ص292.
16) انظر شرح التوضيح ج2 ص117 إلى نهاية المبحث.
17) سورة الأنبياء: 78.
18) الأحكام لابن حزم ج 8 ص136.
19) المرجع السابق ص138.
20) الأحكام لابن حزم الظاهرى ج8 ص18.
21) انظر روضة الناظر ج2 ص409، وإرشاد الفحول للشوكانى ص215.
22) سورة الحشر:2.
23) سورة النساء: 105.
24) انظر حاشية الكشف لعبد العزيز البخارى على البزدوى ج2 مختصر المنتهى لابن الحاجب ج2 والتقرير والتحبير ج3.
25) انظر شرح مختصر المنتهى لابن الحاجب من ص292.
26) الأصول العامة للفقه المقارن ص605.
(1/49)
إجزاء

المعنى اللغوى
الإجزاء مصدر أجزأ بمعنى كفى. جاء فى لسان العرب مادة " جزأ "، أجزأه الشىء كفاه. وفى حديث الأضحية: " ولن تجزىء عن أحد بعدك " أى لن تكفى.
وفى حديث آخر: " ليس شىء يجزىء من الطعام والشراب إلا اللبن "، أى ليس شىء يكفى.
ويقال: ما لفلان إجزاء، أى: ماله كفاية.
وفى حديث سهيل: " ما أجزأ منا اليوم أحد ما أجزأ فلان " أى فعل فعلا ظهر أثره وقام فيه مقاما لم يقمه غيره، ولا كفى فيه كفايته.
المعنى الاصطلاحى
يتكلم علماء أصول الفقه عن الإجزاء عند تقسيمهم لمتعلق الحكم الشرعى، وكلامهم على الصحة والفساد والبطلان، ولهم فى تعريفه مذهبان:
أحدهما: أن الإجزاء هو كون الفعل كافيا فى الخروج عن عهدة التكليف به، وهذا التعريف ينسب إلى فريق من الأصوليين يعرف بفريق المتكلمين.
ثانيهما: أن الإجزاء هو إسقاط القضاء، وهذا التعريف ينسب إلى فريق آخر من الأصوليين يعرف بفريق الفقهاء.
وفى ذلك يقول القرافى فى كتابه الذخيرة(1): الإجزاء هو كون الفعل كافيا فى الخروج عن عهدة التكليف، وقيل: ما أسقط القضاء.
وقد فصل الإسنوى فى شرحه على المنهاج الكلام على الإجزاء عند المتكلمين وعند الفقهاء، ورجح تعريف المتكلمين. فالإجزاء عند المتكلمين هو الأداء الكافى لسقوط التعبد به، وقد شرح أجزاء هذا التعريف فبين:
أولا: أن الأداء له معنيان: معنى لغوى، ومعنى فقهى.
أما معناه اللغوى فهو الإتيان، من قولهم أديت الشىء أى آتيته، ومنه قوله تعالى: ( فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى أؤتمن أمانته ((2).
وأما معناه الاصطلاحى: فهو الإتيان بالعبادة فى وقتها لأول مرة، وهو بالمعنى الأول أعم لأنه يشمل آداء العبادة فى وقتها لأول مرة وإعادتها بعد أول مرة وقضاءها بعد وقتها، والمراد هنا هو هذا المعنى الأعم، وقد غفل عن هذا بعض الناس فظن أن المراد بالأداء المذكور فى تعريف الإجزاء هو المعنى الاصطلاحى ولذلك ادعى أن القضاء والإعادة لا يوصفان بإجزاء لأن القضاء والإعادة لا يسميان فى الاصطلاح بالأداء وهو غلط.
ثانيا: يقال تعبد الله المكلفين بالصلاة، أى دعاهم إلى أن يعبدوه بها وطلبها منهم، فمعنى التعبد بالشىء طلبه ،فإذا أتيت بالعبادة إتيانا كافيا لسقوط طلبها بأن اجتمعت فيها شرائطها وانتفت عنها موانعها فقد أجزأتك هذه العبادة وكفتك ،وإذا لم تأت بها على هذا النحو فهى غير مجزئة.
ثم ذكر تعريف الفقهاء للإجزاء وبين بطلانه، فالإجزاء عند الفقهاء هو إسقاط القضاء، ومن المعروف أن القضاء إنما يجب بأمر جديد على المذهب الصحيح لا بالأمر الأول.
فإذا أمر الشارع بعبادة أمرا أوليا ولم يأمر بقضائها بأمر ثان فليس معنا إلا أمر واحد، وهذا الأمر الواحد إنما يتجه إلى الأداء الأول فقط ولا شأن له بالأداء الثانى وإذن فالأداء الثانى غير واجب لأنه ليس معنا أمر يوجبه، وإذا لم يكن واجبا فكيف يقال سقط مع أن السقوط فرع الوجوب والثبوت.
على أن القضاء إنما يجب بخروج الوقت حتى لو أخذنا بمذهب من يقول: إن الأمر الأول كاف فى إيجابه فموجبه وسببه هو خروج الوقت، فإذا أدى الصلاة على وجهها فى الوقت فلا ينبغى أن يقال أجزأت بمعنى أنه سقط قضاؤها لأن القضاء لم يجب حتى يقال أنه سقط، ولكن يقال أجزأت بمعنى كفى فعلها عن المطلوب شرعا.
ثم أنكم أيها الفقهاء تقولون أحيانا: هذا المطلوب سقط قضاؤه لأنه أجزأ، فتأتون بعلة ومعلول، أما المعلول فهو قولكم " سقط قضاؤه " وأما العلة فقولكم "لأنه أجزأ "، ومن المعروف أن العلة مغايرة للمعلول، فكيف تعرفون الإجزاء بأنه سقوط القضاء وهل يفسر الشىء بمغايره(3).
وفى التحرير وشرحه من كتب أصول الحنفية أن الصحة هى ترتب المقصود من الفعل عليه، وذلك فى المعاملات هو الحل والملك، أما فى العبادات فإن المتكلمين قالوا: إنها موافقة أمر الشارع بأن يكون مستجمعا ما يتوقف عليه من الشروط وغيرها وذلك نفسه هو معنى الإجزاء، وقال الفقهاء الصحة والإجزاء فى العبادات هما موافقة أمر الشارع على وجه يندفع به القضاء، وثمرة الخلاف تظهر فيمن صلى على ظن الطهارة ثم تبين له أنه محدث فإن صلاته صحيحة ومجزئة عند المتكلمين لموافقة الأمر إذ المكلف مأمور بأن يصلى بطهارة سواء أكانت معلومة أو مظنونة، وهى فاسدة عند الفقهاء لعدم اندفاع القضاء وتوصف أيضا بأنها غير مجزئة. ثم قال صاحب التحرير بعد أن بين هذا المعنى: " والاتفاق على القضاء عند ظهوره " أى: وقد اتفق المتكلمون والفقهاء على وجوب القضاء عند ظهور عدم الطهارة(4).
ولذلك قال أبو حامد الغزالى فى المستصفى: وهذه الاصطلاحات وإن اختلفت فلا مشاحة فيها، إذ المعنى متفق عليه(5).
وقال الإسنوى فى شرحه تعليقا على مسألة ظان الطهارة: فإن قيل إذا لم يتبين أنه محدث فواضح أنه لا قضاء عليه، وليس كلامكم فيه وإن تبين أنه محدث وجب القضاء عليه عند الفقهاء وعند المتكلمين القائلين بالصحة أيضا، فما وجه الخلاف؟
قلنا: الخلاف إنما هو فى إطلاق الاسم أى اسم الإجزاء على الأداء ثم تبين عدم الطهارة، وممن نبه عليه القرافى(6).
وفى روضة الناظر لموفق الدين ابن قدامة المقدسى الدمشقى، وهو فى الأصول على مذهب الحنابلة: " الصحيح من العبادات ما أجزأ وأسقط القضاء ".
وفى شرحه نقلا عن الشيخ علاء الدين المرداوى فى التحرير: " الصحة مطلقا ترتب الأثر المطلوب من الفعل عليه فبصحة العقد يترتب أثره من ملك غيره، وبصحة العبادة يترتب إجزاؤها وهو الكفاية فى إسقاط التعبد ويختص الإجزاء بالعبادة(7)".
وفى إرشاد الفحول يقول الشوكانى:
أعلم أن الإتيان بالمأمور به على وجهه الذى أمر به الشارع قد وقع الخلاف فيه بين أهل الأصول: هل يوجب الإجزاء أم لا، وقد فسر الإجزاء بتفسيرين: أحدهما حصول الامتثال به، والآخر سقوط القضاء به، فعلى التفسير الأول أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضى تحقق الإجزاء المفسر بالامتثال، وذلك متفق عليه، فإن معنى الامتثال وحقيقته ذلك.
وإن فسر بسقوط القضاء فقد اختلف فيه، فقال جماعة من أهل الأصول: إن الإتيان بالمأمور به على وجهه يستلزم سقوط القضاء. وقال القاضى عبد الجبار: لا يستلزم.
واستدل فى المحصول على القول الأول بأنه لو لم يقتض الإجزاء لكان يجوز أن يقول السيد لعبده: افعل، فإذا فعلت لا يجزىء عنك، ولو قال ذلك أحد لعد مناقضا.
واستدل للمخالف بأن كثيرا من العبادات يجب على من شرع فيها أن يتمها ويمضى فيها ولا تجزئه عن المأمور به كالحج الفاسد والصوم الذى جامع فيه(8) أى فوجد الإتيان بالمأمور به وهو تتميم الحج أو الصوم الفاسد، ولم يستلزم ذلك سقوط القضاء.
وفى كتاب الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى: مذهب أصحابنا والفقهاء وأكثر المعتزلة أن الإتيان بالمأمور به يدل على الإجزاء خلافا للقاضى عبد الجبار من المعتزلة ومتبعيه فإنه قال لا يدل على الإجزاء.
ثم قال الآمدى: كون الفعل مجزئا قد يطلق بمعنى أنه امتثل به الأمر وذلك إذا أتى به على الوجه الذى أمر به وقد يطلق بمعنى أنه مسقط للقضاء، وإذا علم معنى كون الفعل مجزئا فقد اتفق الكل على أن الإتيان بالمأمور به على الوجه الذى أمر به يكون مجزئا بمعنى كونه امتثالا للأمر، وذلك مما لا خلاف فيه.
وإنما خالف القاضى عبد الجبار فى كونه مجزئا بالاعتبار الآخر(9)، يريد أن كلام القاضى إنما هو فى الإجزاء الذى هو بمعنى سقوط القضاء فهو ينازع فى أن فعل المأمور به يستلزم سقوط القضاء لما سبق ذكره من أن المكلف قد يطالب بإتمام الحج أو الصوم الفاسد فيتمهما فيكون بذلك فاعلا لما طلب منه ومع ذلك لا يسقط قضاؤهما.
ما الذى يوصف بالإجزاء وعدمه
لقد فرق علماء الأصول بين الصحة الإجزاء بأن الصحة توصف بها العبادات والمعاملات على حد سواء، فيقال هذه صلاة صحيحة وهذا بيع صحيح.
أما الإجزاء فلا يوصف به إلا العبادات، فيقال: هذه صلاة مجزئة، ولا يقال هذا بيع مجزئ.
وفى ذلك يقول والإسنوى فى شرحه على المنهاج: معنى الإجزاء وعدمه قريب من معنى الصحة والبطلان، كما قال فى المحصول، وبين الإجزاء والصحة فرق، وهو أن الصحة أعم لأنها تكون صفة للعبادات والمعاملات، وأما الإجزاء فلا يوصف به إلا العبادات(10).
وقد نقلنا من قبل ما ذكره شارح روضة الناظر الحنبلى عن الشيخ علاء الدين المرداوى ، وفيه يقول: ويختص الإجزاء بالعبادة(11)، وقد سوى الكمال بن الهمام فى كتابه التحرير بين الصحة الإجزاء فى العبادات خاصة(12).
وقرر العلماء أيضا: أنه ليس كل فعل من أفعال العبادات يوصف بالإجزاء أو بعدمه، وإنما يوصف بذلك فعل له وجهان: وجه يعتد به،. ووجه لا يعتد به. فالصلاة مثلا إذا وقعت مستوفية الشروط والأركان خالية من الموانع وصفت بالإجزاء، وإذا لم تقع كذلك وصفت بعدم الإجزاء، وقل مثل هذا فى الصوم والحج ... إلخ.
أما ما لا يقع من العبادات إلا على جهة واحدة فلا يوصف بالإجزاء وعدمه، وقد مثلوا لذلك بمثالين:
أحدهما: معرفة الله تعالى، فإنها إما أن تقع فيقال: إن هذا الشخص قد عرف الله تعالى بطريق ما، وإما ألا تقع فلا يكون قد عرفه، وحينئذ لا يقال عرفه معرفة غير مجزئة لأن المعرفة لم تحصل حتى توصف بأنها غير مجزئة.
المثال الثانى: رد الوديعة فإنه إما أن يردها أو لا يردها، فإن ردها قبل قد وقع الرد، وإن لم يرد قبل لم يقع الرد، ولكن لا يقال: مجزئ أو غير مجزئ. وهذا المثال قد مثل به صاحب المنهاج فى أصول الشافعية والإسنوى فى شرحه وتابعه على ذلك صاحبا التحرير والتيسير، كما تابعاه فى المثال الأول وهو معرفة الله تعالى.
وتمثيلهم برد الوديعة كان موضع نقاش بينهم: فهو أولا من باب المعاملات، والمعاملات لا توصف بالإجزاء وعدمه من أصلها سواء أكانت ذات وجهين أم ذات وجه واحد، إلا أن يقال: انظر إلى ناحية العبادة فيها وهى خلوص الذمة أمام الله برد الوديعة وعدم خلوصها بعدم ردها فتكون حينئذ من باب العبادات. وهذا لا يفيد، لأن المعاملات كلها يمكن أن يقال فيها ذلك، إذ هى ذات جانب عبادى تخلص الذمة بموافقة أمر الله فيه، ولا تخلص إذا لم تقع هذه الموافقة.
ومن جهة أخرى: إن الوديعة قد ترد على السفيه والمحجور عليه فلا يكون هذا الرد مجزئا، وقد ترد على المتصرف فيكون هذا الرد مجزئا وإذن فلها وجهان فتوصف بالإجزاء وعدمه، فالتمثيل بها غير دقيق.
ونقل البدخشى فى شرحه على المنهاج للبيضاوى بعد الكلام على المعرفة بالله تعالى ورد الوديعة: أن الفنرى يرى أن الموصوف بالإجزاء وعدمه إنما هو العبادات المحتملة للوجهين دون ما عداها، ويؤيد ذلك بأن بيع النقدين مثلا يحتمل الوجهين، أحدهما أن يكون مستجمعا للشرائط من التساوى والحلول والتقابض فى المجلس، وثانيهما أن يكون قد اختل فيه شىء من الشروط، ففيه احتمال الوجهين، ومع ذلك لا يوصف بالإجزاء وعدمه.
هذا هو رأى الفنرى، وقد علق عليه البدخشى بقوله: كأنه أراد بذلك أن رد الوديعة من المعاملات فلا يوصفا بهما وإن اشتمل على الوجهين، وأقول: الأظهر أن استعمالهما- أى الإجزاء وعدمه- إنما هو فى تفريغ الذمة عن الأمور المتقررة فيها يشهد بذلك التعريفات المذكورة وموارد استعمال الفقهاء ورد الوديعة منها وبهذا يتبين اختلافهم حول هذا المثال ووجهة كل منهم فيه(13).
ويوصف بالإجزاء وعدمه كل من الفرض والواجب والمندوب أداء أو قضاء أو إعادة وفى ذلك يقول صاحب المنهاج: ويوصف بالإجزاء الأداء المصطلح عليه للعبادة أو قضاؤها أو إعادتها سواء أكان ذلك فرضا أو نفلا( 14).
وفى التحرير والتيسير أن مقتضى كلام الفقهاء أن الإجزاء لا يختص بالواجب، ودليل ذلك حديث الأضحية، عن أبى بردة أنه ذبح شاة قبل الصلاة فذكر ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: " لا تجزىء عنك ".
فقال: عندى جذعة من المعز.
فقال النبى عليه الصلاة والسلام:
" تجزىء عنك و لا تجزىء عن أحد بعدك " رواه أبو حنيفة.
وهو بمعناه فى الصحيحين وغيرهما، وهو بناء على أن الأضحية سنة كما هو قول الجمهور، وصاحبى الإمام، فدل ذلك على أن الإجزاء وعدمه يستعملان فيما هو سنة كما يستعملان فيما هو واجب أو فرض(15).
وفى كلام الفقهاء ما يؤيد ذلك، ومن أمثلة ذلك فى المندوب أن الحنفية يقولون أن الأضحية واجبة عند أبى حنيفة، سنة عند صاحبيه(16).
وعندما يتكلمون عما يجزىء منها وما لا يجزىء يقولون: ويجزىء منها ما يجزىء من الهدى(17).
والمالكية يقولون فى الأضحية أيضا، وهى عندهم سنة: ويدخل وقتها الذى لا تجزىء قبله من ذبح الإمام أضحيته بعد صلاته وأدائه الخطبة فلا يجزىء إن سبق ذبحه، ولو أتم بعده، إلا إذا لم يبرزها الإمام للمصلى(18).
والشافعية يقولون فى المسح على الخف: ويسن مسح أعلاه الساتر لمشط الرجل وأسفله خطوطا بأن يضع يده اليسرى تحت العقب واليمنى على ظهر الأصابع ثم يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف الأصابع من تحت مفرجا بين أصابع يديه، ولا يسن استيغاب المسح، ويكره تكراره، وكذا غسل الخف، وقيل: لا يجزىء، ولو وضع يده المبتلة ولم يمرها أجزأه وقيل: لا(19).
والحنابلة يقولون فى الأضحية وهى سنة عندهم: فأما العضباء وهى ما ذهب نصف أذنها فلا تجزىء(20).
مذهب الظاهرية:
ويقول ابن حزم الظاهرى فى الأضحية: هى سنة حسنة وليست فرضا، ثم يقول: ولا تجزىء فى الأضحية العرجاء البين عرجها، ولا المريضة البين مرضها، فإن كان كل ما ذكرنا لا يبين أجزأ، ولا تجزىء فى الأضاحى جذعة ولا جذع أصلا لا من الضأن ولا من غير الضأن ويجزىء ما فوق الجذع(21).
مذهب الإمامية:
ويقول الإمامية فى الزكاة: يجب دفع الزكاة إلى الإمام إذا طلبها، ويقبل قول المالك لو ادعى الإخراج، ولو بادر المالك بإخراجها أجزأته ويستحب دفعها إلى الإمام ابتداء(22).
ويحكى المهدى فى البحر عن الهادى والقاسم من الزيدية أن الشاة فى الأضحية تجزىء عن ثلاثة(23).
وجاء فى شرح النيل فى فقه الإباضية فى الكلام على العقيقة، ندب لمن ولد له ذكر أن ينسك بشاتين ولأنثى بواحدة ولا يجزىء إلا الشياه وإن كان الجمهور على إجزاء الإبل والبقر(24).
ويتبين من هذه النصوص الفقهية فى المذاهب الثمانية أن الفقهاء يعبرون بالإجزاء وعدمه فيما هو مندوب وسنة، وتعبيرهم بذلك فى الواجب والفرض معروفة كذلك، ومن أمثلته قول الحنفية فى الذبائح ولو عطس عند الذبح فقال: الحمد لله لا تحل فى الأصح لعدم قصد التسمية بخلاف الخطبة حيث يجزئه، لأن المأمور به فى الجمعة ذكر الله تعالى مطلقا، وههنا الشرط ذكر اسم الله تعالى على الذبح(25).
مذهب المالكية:
وقول المالكية فى الزكاة: ومجىء الساعى- إن كان ثم ساع- شرط وجوب فلا تجب قبل مجيئه، وشرط صحة أيضا فلا تجزىء إذا أخرجها قبله وإنما لم تجزىء مع أن تقديم زكاة العين على الحول بنحو شهر يجزىء لأن التقدم فى زكاة العين رخصة لاحتياج الفقراء إليها دائما مع عدم المانع وليس الأمر هنا كذلك لأن الإخراج قبل مجىء الساعى فيه إبطال لأمر الإمام الذى عينه لجبى الزكاة على نهج الشريعة ومحل عدم الإجزاء ما لم يتخلف الساعى عن المجىء لأمر من الأمور فإن تخلف أجزأت(26).
مذهب الشافعية:
وقول الشافعية فى باب التيمم: ويشترط قصده إلى التراب لقوله تعالى: ( فتيموا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ((27) أى اقصدوه بأن تنقلوه إلى العضو فلو سفته الريح عليه فردده ونوى لم يجزىء لانتفاء القصد بانتفاء النقل المحقق له وقيل: إن قصد بوقوفه فى مهب الريح التيمم أجزأه ما ذكر كما لو برز فى الوضوء للمطر(28).
مذهب الحنابلة:
وقول الحنابلة فى باب المسح على الخفين: إذا انقضت المدة أى مدة المسح على الخفين بطل الوضوء، وليس له المسح إلا أن ينزعهما ثم يلبسهما على طهارة كاملة وفيه رواية أخرى: أنه يجزئه غسل قدميه كما لو خلعهما(29).
وقول الشيعة الإمامية فى باب الزكاة: الشاة المأخوذة فى الزكاة أقلها الجذع من الضأن أو الثنى من المعز ويجزىء الذكر والأنثى(30).
وقول الزيدية فى باب التيمم، قال زيد ابن على عليه السلام كل شىء تيممت به من الأرض يجزئك وظاهر كلام الإمام أنه يجزئك التيمم بجميع أجزاء الأرض سواء كان ترابا أو رملا أو سبخة أو زرنيخا أو آجرا أو غير ذلك(31).
وقول الإباضية فى باب الذكاة: وتجزىء التسمية فى الذكاة، أى الذبح، وإن بغير العربية لمن لا يعلمها إن كان ثقة، وتجزىء بكل ذكر لله تعالى مثل بسم الله الرحمن الرحيم، ومثل باسم الله، الله أكبر، ومثل لا إله إلا الله(32).
مذهب الظاهرية:
وقول ابن حزم الظاهرى فى الكلام على الهدى: قال على: قد صح إجماع المخالفين لنا مع ظاهر الآية يريد قوله تعالى: ( فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى ( (33) بأن شاة تجزىء فى الهدى الواجب فى التمتع والإحصار والتطوع ، وقد عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر شياة ببعير، فصح أن الشاة بإزاء عشر البعير جملة، وأن البقرة كالبعير فى جواز الاشتراك فيهما فى الهدى الواجب فيما ذكرنا، فصح أن البعير والبقرة تجزئان عما يجزىء عنه عشر شياة، وعشر شياة تجزىء عن عشرة، والبعير والبقرة كل واحد منهما عن عشرة وهو قول ابن عباس وسعيد بن المسيب وإسحاق بن راهويه، وبه نقول لما ذكرنا(34).
قد يجزىء ما ليس بواجب عن الواجب
يقول شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافى المالكى: إن إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب هو خلاف الأصل، فلو صلى الإنسان ألف ركعة ما أجزأت عن صلاة الصبح، ودفع ألف دينار صدقة لا يجزىء عن الزكاة، وغير ذلك.
ثم ذكر سبع مسائل مستثناة من هذا للأصل فى مذهب المالكية، زادها بعضهم إلى اثنتى عشرة مسألة.
منها: إذا سلم المصلى من ركعتين ساهيا أنه فى رباعية ثم قام فصلى ركعتين بنية النافلة هل تجزئه هاتان الركعتان عن ركعتى الفرض؟ قولان: مشهورهما عدم الإجزاء ومنها: إذا نسى طواف الإفاضة وهو ركن عندهم وقد طاف طواف الوداع وهو مندوب وراح إلى بلده أجزأه طواف الوداع عن طواف الإفاضة على المشهور من المذهب(35).
ومنها: وهو مما زيد على ما ذكره القرافى: أن المعتمر إذا ساق هدى التطوع فى عمرته فلما حل منها ووجب نحره أخره ليوم النحر ثم بدا له وأحرم بالحج وحج من عامه ذلك وصار متمتعا. فإن هدى التطوع يجزئه عن متعته ولو لم ينو عند يسوقه أنه يجعله فى متعته على تأويل ست وهو المذهب، كما أجزأه عن قرانه.(36).
وذكر القرافى فرعا آخر فى إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وهذا الفرع ليس من باب المندوب الذى يجزىء عن الواجب، بل من باب ما لا يجوز الإقدام على فعله، ومع ذلك لو فعله أجزأ عن الواجب.
قال القرافى: المريض إذا كان يقدر على الصوم لكن مع مشقة عظيمة لا يخشى معها علي نفسه ولا عضو من أعضائه، فهذا يسقط عنه الخطاب بخصوص رمضان لأجل المشقة، ويبقى مخاطبا بأحد الشهرين إما شهر الأداء أو شهر القضاء، فإن كان يخشى على نفسه أو عضو من أعضائه أو منفعة من منافعه- يريد منافع العضو- فهذا يحرم عليه الصوم، ولا نقول أنه يجب عليه أحد الشهرين: الأداء أو القضاء، بل يتعين الأداء للتحريم والقضاء للوجوب إن بقى مستجمع الشرائط سالم الموانع فى زمان القضاء، فإن أقدم وصام وفعل المحرم فهل يجزىء عنه؟
قال الغزالى فى المستصفى: يحتمل عدم الإجزاء لأن المحرم لا يجزىء عن الواجب ويحتمل الإجزاء كالصلاة فى الدار المغصوبة فإنه متقرب إلى الله تعالى بترك شهوتى فمه وفرجه جان على نفسه كما أن المصلى فى الدار المغصوبة متقرب إلى الله بركوعه وسجوده وتعظيمه وإجلاله، جان على صاحب الدار، وهو تخريج حسن(37).
ويقول الآمدى فى الإحكام عن الصلاة فى الدار المغصوبة التى وقع التنظير بها فى هذا الموضوع: إن إجماع سلف الأمة وهلم جرا منعقد على الكف عن أمر الظلمة بقضاء الصلوات المؤداة فى الدور المغصوبة مع كثرة وقوع ذلك منهم ولو لم تكن صحيحة مع وجوبها عليهم لبقى الوجوب مستمرا وامتنع على الأمة عدم الإنكار عادة وهو لازم على المعتزلة وأحمد بن حنبل وأهل الظاهر والزيدية الذين يقولون: إن الصلاة فى الدار المغصوبة غير واجبة ولا صحيحة ولا يسقط بها الفرض(38).
قد يجزىء الفعل الواحد
عن واجب ومندوب
ومن ذلك أن تحية المسجد بصلاة ركعتين عند دخوله سنة.
ويقول الحنفية: إن آداء الفرض ينوب عنها بلا نية(39).
ونقل ابن عابدين عن الحلية أنه لو اشتغل داخل المسجد بالفريضة غير ناو للتحية قامت تلك الفريضة مقام التحية لحصول تعظيم المسجد(40).
ومن ذلك أيضا أنه يكفى عند الحنفية غسل واحد لعيد وجمعة اجتمعا مع جنابة، وقد علق ابن عابدين على هذا بقوله: وكذا لو كان معهما كسوف واستسقاء وهذا كله إذا نوى ذلك ليحصل له ثواب الكل(41).
مذهب المالكية:
ومثله قول المالكية: إذا نوى المكلف بالغسل رفع الجنابة والغسل المندوب للجمعة حصلا معا، وكذا لو نوى نيابة غسل الجنابة عن النفل بخلاف ما لو نوى نيابة النفل عن الجنابة فلا تكفى عن واحد منهما(42).
مذهب الشافعية:
وقول الشافعية: إن نوى بغسله غسل الجنابة والجمعة حصلا جميعا على الصحيح(43).
وقول الحنابلة: وإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلا واحدا ونواهما أجزأه بغير خلاف علمناه لأنهما غسلان اجتمعا فأشبها غسل الحيض والجنابة، وإن اغتسل للجنابة ولم ينو غسل الجمعة ففيه وجهان: أحدهما لا يجزئه لقول النبى صلى الله عليه وسلم: " وإنما لكل امرئ ما نوى ".
وروى عن ابن لأبى قتادة أنه دخل عليه يوم الجمعة مغتسلا فقال: للجمعة؟ قال: لا، ولكن للجنابة، قال فأعد غسل الجمعة، والثانى يجزئه لأنه مغتسل فدخل فى عموم الحديث، يريد قوله صلى الله عليه وسلم: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" ونحوه، ولأن المقصود التنظيف وقد حصل(44) إلى غير ذلك.
الإجزاء لا يستلزم الإكمال
قال فى حاشية كشف الأسرار للبزدوى: إن المأمور إذا أتى بالمأمور به على وجه الكراهية أو الحرمة يخرج من العهدة على القول الأصح كالحاج إذا طاف محدثا(45).
مذهب المالكية:
ومن ذلك قول المالكية: وسن ركعتان بعد الغسل. وقبل الإحرام وأجزأ عنهما الفرض وحصل به السنة وفاته الأفضل(46).
ويشترط المالكية فى حصى الرمى أن تكون الحصاة قدر الفولة أو النواة، ثم يقولون ولا يجزىء صغير جدا كالحمصة وكره كبير وأجزأ(47).
ويقول الحنفية فى باب الصلاة فى الكعبة: يصح فرض ونفل فيها وفوقها وإن كره الثانى أى الصلاة فوقها(48).
وقد أورد السيوطى الشافعى فى الأشباه والنظائر فروعا مما تجزىء فيه نية العبادة وتشريك غيرها معها مثل أن ينوى الوضوء أو الغسل، وينوى مع ذلك التبرد بالماء ومثل أن ينوى الصوم لله تعالى وللحمية أو التداوى أو أن ينوى الطواف وملازمة غريمه الذى عليه دين له لكيلا يفلت منه، أو ينوى الصلاة لله تعالى مع دفع غريمه المطالب له.
ثم قال السيوطى بعد أن بين آراء الشافعية فى صحة النية فى هذه الفروع وما صححوه من الصحة فى هذه الصور إنما هو بالنسبة إلى الإجزاء. وأما الثواب فصرح ابن الصباغ بعدم حصوله فى مسألة التبرد نقله ابن الخادم ولا شك أن مسألة الصلاة والطواف أولى بذلك(49)، وعلى هذا كل ما جاء فى الفقه من الإجزاء مع الكراهة التنزيهية أو التحريمية أو مع حرمة الإقدام كصيام من يضر به الصوم ضررا بليغا على ما بينا من قبل أو كون الفعل خلاف الأولى أو الأفضل أو نحو ذلك.

__________

1) ج1 ص64 طبعة سنة 1381 هجرية سنة 1961م المطبوع بكلية الشريعة بالأزهر.
2) سورة البقرة:283.
3) شرح المنهاج للإسنوى ج1 ص60 مطبوع بمطبعة صبيح بمصر عدة طبعات.
4) التحرير وشرحه ج2 ص234، 235 المطبوع بمطبعة الحلبى سنة 1350 هجرية .
5) انظر روضة الناظر وشرحه ص165 وهو مطبوع بالمطبعة السلفية بمصر سنة 1342 هجرية .
6) شرح الإسنوى على المنهاج ج1 ص59.
7) روضة الناظر وشرحه ص165.
8) إرشاد الفحول للشوكانى ص98 مطبعة السعادة بمصر سنة 1327 هجرية .
9) الإحكام فى أصول الأحكام للآمدى ج2 ص256 مطبعة المعارف بمصر سنة 1332 هجرية - 1914م.
10)شرح الإسنوى على المنهاج ج1 ص61 الطبعة السابقة.
11) روضة الناظر ج1 ص165.
12) التحرير وشرحه ج2 ص235 الطبعة السابقة.
13) راجع شرح الإسنوى على المنهاج ج1 ص63، وشرح البدخشى عليه أيضا ج1 ص62، وشرح التحرير ج2 ص235.
14) شرح الإسنوى ج1 ص60.
15) التحرير والتيسير ج2 ص235.
16) الاختيار لابن مودود الموصلى ج2 ص149 طبع الحلبى بمصر سنة 1355 هجرية .
17) المرجع السابق ص151.
18) الشرح الصغير ج1 ص285 طبع صبيح بمصر سنة 1350 هجرية طبعة الشرح مجردا.
19) الجلال المحلى على المنهاج ج1 ص60.
20) المغنى لابن قدامة ج3 ص583.
21) المحلى لابن حزم الظاهرى ج7 ص355، 358.
22) المختصر النافع ص84 طبع وزارة الأوقاف بمصر سنة 1378 هجرية .
23) نيل الأوطار للشوكانى ج5 ص115 طبع المطبعة العثمانية بمصر سنة 1357 هجرية .
24) شرح النيل ج2 ص577.
25) شرح الدر المختار على تنوير الأبصار وحاشية ابن عابدين ج5 ص262.
26) الشرح الصغير ج1 ص193 من الشرح المجرد بدون حاشيته المطبوع بمطبعة صبيح سنة 1350 هجرية .
27) سورة المائدة: 6.
28) شرح جلال الدين المحلى على منهاج الطالبيين للنووى ، طبع الحلبى بمصر ج1 ص88.
29) المغنى ج1 ص390 طبعة المنار التى معها الشرح الكبير.
30) المختصر النافع ص79 طبع وزارة الأوقاف.
31) الروض النضير ج1 ص325 المطبوع بمطبعة السعادة بمصر سنة 1347 هجرية .
32) شرح النيل ج2 ص543.
33) البقرة: 196.
34) المحلى ج7 ص154.
35) الفروق للقرافى ج2 ص19، 20 طبعة أولى سنة 1334 هجرية ، مطبعة دار إحياء الكتب العربية.
36) تهذيب الفروق ج1 ص25 المطبوع على هامش الفروق.
37) الفروق للقرافى ج1 ص23.
38) الإحكام للآمدى ج1 ص163، 167 الطبعة السابقة.
39) تنوير الأبصار ج1 ص635.
40) ابن عابدين ج1 ص635.
41) تنوير الأبصار وشرحه، وابن عابدين عليه ج1 ص157.
42) الشرح الصغير ج1 ص56.
43) الأشباه والنظائر للسيوطى ص22 المطبوع بمطبعة الحلبى سنة 1378 هجرية - سنة 1959م.
44) المغنى والشرح الكبير للحنابلة ج2 ص201.
45) حاشية عبد العزيز البخارى على كشف الأسرار للبزدوى المطبوع فى مكتبة الصنايع ج2 ص136 سنة 1317 هجرية .
46) الشرح الصغير ج1 ص246.
47) المصدر السابق ص261.
48) تنوير الأبصار وشرحه وحاشية ابن عابدين ج2 ص854.
49) الأشباه والنظائر للسيوطى ص21.
(1/50)
أجلٌ

المعنى اللغوى
جاء فى المصباح: أجل الشىء مدته ووقته الذى يحل فيه، وهو مصدر أجل الشىء أجلا من باب تعب، وهو من باب قعد لغة، وأجلته تأجيلا من باب جعلت له أجلا.
وجاء فى القاموس: الأجل محركة غاية الوقت فى الموت، وحلول الدين، ومدة الشىء. وجمعه آجال، والتأجيل تحديد الأجل واستأجلته فأجلنى إلى مدة.
واستعمال الفقهاء للفظ أجل لا يخرج عن بعض الاستعمالات اللغوية، فإنه يدور فى اصطلاحاتهم بمعنى المدة، وبمعنى نهاية الوقت، وبمعنى حلول الدين، وهم يستعملون كلمة التأجيل أيضا بالمعنى اللغوى، وقد جاء الأجل فى القرآن بمعنى مدة العدة فى قول الله سبحانه وتعالى: ( وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ((1). والمراد مدة تربصهن طوال مدة الحمل حتى تمام الوضع. وجاء بمعنى نهاية المدة المضروبة فى قوله تعالى: ( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ((2) وغير ذلك من المعانى التى بينتها اللغة.
اشتراط العلم بالأجل
والخلاف فيما يعتبر منه معلوما أو مجهولا
اتفق الفقهاء على اشتراط العلم بالأجل فى العقود مع اختلاف فيما يكون به الأجل معلوما وإليك التفصيل فى المذاهب:
مذهب الحنفية:
قال الميرغينانى فى "الهداية"(3): ولابد فى الأجل أن يكون معلوما لأن الجهالة فيه مانعة من التسليم الواجب بالعقد. وعلق البابرتى على ذلك بقوله(4): لابد أن يكون الأجل معلوما كى لا يقضى إلى ما يمنع الواجب بالعقد وهو التسليم والتسلم فربما يطلب البائع فى مدة قريبة والمشترى يؤخر إلى مدة بعيدة. وقال الكمال بن الهمام(5): ولأنه عليه الصلاة والسلام فى موضع شرط الأجل وهو السلم أوجب التعيين حيث قال: من أسلف فى تمر فليسلف فى كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم وعلى ذلك انعقد الإجماع.
وقال الكاسانى فى باب الإجارة(6): يتحقق الأجل ببيان المدة سواء قصرت أو طالت من يوم أو شهر أو سنة أو أكثر من ذلك بعد أن تكون المدة مع معلومة، سواء عين اليوم أو الشهر أو السنة أو لم يعين، ويتعين الزمان الذى يعقب العقد لثبوت حكمه، ولا يلزم التعيين صراحة لأن التعيين قد يكون نصا وقد يكون دلالة. وفى مثل قولنا يوم أو شهر أو سنة وجدت دلالة التعيين من وجهين: أحدهما أن الإنسان إنما يعقد الإجارة للحاجة، والحاجة عقيب العقد قائمة، والثانى: أن العقد يقصد بعقده الصحة ولا صحة لهذا العقد إلا بالصرف إلى الشهر الذى يعقب العقد فيتعين. فإن وقع العقد فى غرة الشهر يقع على الأهلة بلا خلاف عند الأحناف حتى لو نقص الشهر يوما فى عقد إجارة مثلا كان عليه كمال الأجرة لأن الشهر اسم للهلال، وإن وقع بعد ما مضى بعض الشهر. ففى إجارة الشهر يقع على ثلاثين يوما بالإجماع لتعذر اعتبار الأهلة فتعتبر بالأيام، وفى إجارة الشهور هناك روايتان عن أبى حنيفة: إحداهما اعتبار الشهور كلها بالأيام، والثانية اعتبار تكميل الشهر الأول بالأيام من الشهر الأخير والباقى بالأهلة ". ثم قال الكاسانى نقلا عن الأصل: أنه إذا استأجر سنة أولها هذا اليوم وهو لأربعة عشر من الشهر - أى بقين- فإنه يسكن بقية هذا الشهر وأحد عشر شهرا بالأهلة وستة عشر يوما من الشهر الأخير. وقال الكاسانى: وهذا الأخير هو قول أبى يوسف ومحمد، ووجهه أن اسم الشهور للأهلة إذ الشهر اسم للهلال لغة إلا أنه لا يمكن اعتبار الأهلة فى الشهر الأول فاعتبر فيه الأيام ويمكن فيما بعده فيعمل بالأصل: ووجه الرواية الأولى أن الشهر الأول يكمل بالأيام بلا خلاف، وإنما تكمل الأيام من الشهر التالى، فإذا أكمل منه يصير أوله بالأيام فيكمل من الذى يليه وهكذا.
وجاء فى التنوير وشرحه(7): " أن ابتداء الأجل فى البيع من وقت التسليم- إذا لم يكن هناك خيار. ولو كان فيه خيار فمن وقت سقوط الخيار عند أبى حنيفة، وعلق ابن عابدين على ذلك بقوله: لأن ذلك وقت استقرار البيع. وجاء فى التنوير وشرح وحاشية ابن عابدين(8): لا يصح البيع بثمن مؤجل إلى مجهول كى لا يفضى ذلك إلى النزاع. وقال ابن عابدين: إن من جهالة الأجل ما إذا باعه بألف على أن يؤدى الثمن إليه فى بلد آخر ولو قال: إلى شهر على أن يؤدى الثمن فى بلد آخر جاز بألف إلى شهر ويبطل الشرط، ومنها اشتراط أن يعطيه الثمن مفرقا أو كل أسبوع البعض فإن لم يشترط فى البيع بل ذكر بعده لم يفسد. وجاء فى موضع آخر(9): لا يصح البيع بثمن مؤجل إلى النيروز. وهو أول يوم من الربيع. ولا إلى يوم المهرجان أول يوم من الخريف. ولا صوم النصارى أو اليهود وفطرهم إذا لم يدر شيئا من ذلك المتعاقدان فلو عرفه جاز بخلاف فطر النصارى بعد ما شرعوا فى صومهم للعلم به، ولا يصح التأجيل إلى قدوم الحاج والحصاد للزرع والدياس للحب والقطاف للعنب لأنها تتقدم وتتأخر، ولو باع مطلقا عن الآجال ثم أجل الثمن إليها صح التأجيل.
وعلق ابن عابدين على ذلك بأنه يفيد أن ما ذكره من الفساد بهذه الآجال إنما هو إذا ذكرت فى أصل العقد بخلاف ما إذا ذكرت بعده كما لو ألحقا بعد العقد شرطا فاسدا، وجاء فى موضع آخر(10) أن الآجال على ضربين: معلومة ومجهولة. والمجهولة على ضربين: متقاربة كالحصاد ومتفاوتة كهبوب الريح فالثمن العين يفسد بالتأجيل ولو معلوما والدين لا يجوز لمجهول لكن لو جهالة متقاربة وأبطله المشترى قبل محله وقبل فسخه للفساد انقلب جائزا لا لو يعد مضيه. أما لو متفاوتة وأبطله المشترى قبل التفرق انقلب جائزا ثم قال: ونقل الحصكفى فى موضع آخر عن البعض أن إبطاله فى التفرق شرط فى المجهول جهالة متقاربة كالحصاد وعلق على ذلك بأنه خطأ.
وفى الهداية وشروحها(11): لا يجوز السلم إلا بأجل معلوم لقوله عليه السلام: " من أسلف... الحديث " ولأن الجهالة فى الأجل مفضية إلى المنازعة فهذا يطالبه فى مدة قريبة وذلك يؤديه فى بعيدها.
مذهب المالكية:
قال خليل والدردير فى باب السلم(12): يشترط أن يكون الأجل بمعلوم للمتعاقدين ولو حكما كمن لهم عادة بوقت القبض. وعلق الدسوقى على ذلك بقوله: يشترط فى الأجل أن يكون معلوما ليعلم منه الوقت الذى يقع فيه قضاء المسلم فيه ومثل خليل والدردير للأجل المعلوم بالنيروز والحصاد والدراس وقدوم الحاج والصيف والشتاء. وقال الدردير: إن فى ذلك إشارة إلى أن الأيام المعلومة كالمنصوصة. وعلق الدسوقى على ذلك بقوله: إن الأيام المعلومة للمتعاقدين كالمنصوصة، والأيام المعلومة مثل خذ هذا الدينار سلما على إردب قمح إلى النيروز أو إلى عاشوراء أو لعيد الفطر أو لعيد الأضحى أو لمولد النبى صلى الله عليه وسلم، والحال أنهما يعلمان أن النيروز أول يوم من شهر توت وأن عاشوراء عاشر يوم من شهر المحرم، وأن مولد النبى صلى الله عليه وسلم ثانى عشر ربيع الأول وهكذا. والمنصوصة كخذ هذا الدينار سلما فى أردب قمح إلى أول شهر رجب أو آخذه منك بعد عشرين يوما.
ثم قال خليل والدردير(13): إن الأشهر إذا ضربت أجلا تحسب بالأهلة إن وقع العقد فى أولها فإن وقع فى أثناء شهر من ثلاثة مثلا حسب الثانى والثالث بالهلال وتمم الأول المنكسر بثلاثين يوما من الرابع، وهذا يوافق الرواية الثانية التى نقلناها عن أبى حنيفة.
ويقولان أيضا(14): وجاز عدم بيان الابتداء لمكتر شهرا أو سنة مثلا من غير ذكر مبدأ، وحمل من حين العقد وجيبة- أى مدة محدودة- أو مشاهرة، فإن وقع على شهر فى أثنائه فثلاثون يوما من يوم العقد، وجاز الكراء مشاهرة وهو عبارة عما عبر فيه بكلمة كل نحو كل شهر بكذا أو كل يوم أو كل جمعة أو كل سنة.
ثم قال الدردير(15): فإن بين المبدأ، وإلا فمن يوم العقد. وقال خليل والدردير: ويجوز أن يقول هذا الشهر أو هذه السنة أو شهرا بالتنكير، أو إلى شهر كذا أو إلى سنة كذا أو إلى يوم كذا كل ذلك وجيبة تلزم بالعقد نقد أو لم ينقد ما لم يشترطا أو أحدهما الحل عن نفسه متى شاء.
وعلق الدسوقى على قول الدردير: "فإن وقع العقد على شهر.. إلخ ". فقال: إن وقع العقد على شهر وكان العقد فى أول الشهر لزمه كله على ما هو عليه من نقص أو تمام، وكذا السنة إذا وقع العقد عليها فإن كان فى أول يوم منها لزمه اثنا عشر شهرا بالأهلة، وإن كان بعد ما مضى من السنة أيام لزمه أحد عشر شهرا بالأهلة وشهر ثلاثون يوما. وقال الدسوقى فى التعليق على اشتراط العلم بالأجل فى باب السلم(16): إن الأجل المجهول لا يجوز للغرر. وقال الدردير: لا يجوز التأجيل فى السلم إلى ما لا يجوز التأجيل فى البيع إليه. ومثل لذلك الدسوقى بمدة التعمير وقال: إن تأجيل الثمن أو المثمن إليها مفسد للعقد.
مذهب الشافعية:
يقول الشافعى- رضى الله عنه- فى الآجال فى السلف والبيوع(17): إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " من سلف فليسلف فى كيل معلوم وأجل معلوم" يدل على أن الآجال لا محل لها إلا أن تكون معلومة، وكذلك قال الله جل شأنه: ( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى(.
فلهذا اشترط الشافعية كغيرهم كون الأجل معلوما. جاء فى المنهاج وشرحه(18): يشترط العلم بالأجل. فلو لم يكن معلوما لم يصح ويدخل فى العلم ما إذا قال: إلى أول رمضان أو إلى آخره على الصحيح. قال الشارح: وقد سوى الشيخ أبو حامد بين التأجيل إلى رمضان أو إلى غرته أو إلى هلاله أو إلى أوله فإن قال إلى أول يوم من الشهر حل بأول جزء من أول اليوم وقال(19): لا يصح السلم مع جهالة الأجل كالسلم إلى الحصاد واليسرة - أى وقت يسار الناس عادة- وقدوم الحاج وطلوع الشمس. أى ظهور ضوئها لأن الضوء قد يستره الغيم. ولم يريدا وقتهما المعين، ونحو أول رمضان أو أخره لوقوعه على نصفه الأول أو الآخر كله. ونقل عن الإمام البغوى أن ذلك ينبغى أن يصح ويحمل على الجزء الأول من كل نصف وقال السبكى: إنه الصحيح، ونقله الأوزاعى وغيره عن نص الأم وقال: إنه الأصح نقلا ودليلا. وقال الزركشى: إنه المذهب، ثم قال صاحب شرح المنهاج: ولو أجل بقوله فى رمضان لا يصح لأنه جعل جميعه ظرفا فكأنهما قالا: يحل فى جزء من أجزائه وهو مجهول.
ويقول قليوبى(20): الأجل بالنيروز صحيح وهو نزول الشمس أول برج الميزان وهو نصف شهر توت القبطى والمشهور الآن أنه أوله، وكذا بالصليب وهو سابع عشر شهر توت، وبالمهرجان وهو نزول الشمس أول برج الحمل وهو نصف شهر برمهات وقال فى حاشية قليوبى(21): لا يجوز بفصح النصارى ولا بفطير اليهود- وهما عيدان لهما- كما نص عليه الشافعى رضى الله عنه لاختلاف وقتيهما. قال بعضهم: ولعل ذلك كان فى زمنه وإلا فهما الآن فى زمن معين عندهم. ونرد بأن وقتهما قد يتقدم ويتأخر كما يعرفه من له إلمام بحساب القبط.
وقد رجعنا إلى كتاب الأم للشافعى فى هذا فإذا هو يقول(22): ولا يصلح بيع إلى العطاء ولا حصاد ولا جداد ولا عيد النصارى وهذا غير معلوم لأن الله حتم أن تكون المواقيت بالأهلة فيما وقت لأهل الإسلام. فقال جل ثناؤه: ( يسألونك عن الأهلة ((23)، وساق جملة آيات ثم قال: فأعلم الله بالأهلة جمل المواقيت والأهلة مواقيت الأيام ولم يجعل علما لأهل الإسلام إلا بها فمن أعلم بغيرها فبغير ما أعلم الله. وقال: ولو لم يكن هذا هكذا ما كان من الجائز أن تكون العلامة بالحصاد والجداد بخلافه. وخلافه قول الله عز وجل: ( أجل مسمى ( والأجل المسمى ما لا يختلف، والعلم يحيط أن الحصاد والجداد يتقدمان ويتأخران بقدر عطش الأرض وريها وبقدر برد الأرض والسنة وحرها، ولم يجعل الله فيما استأخر أجلا إلا معلوما.
والعطاء موكول إلى السلطان يتأخر ويتقدم، وفصح النصارى عندنا يخالف حساب الإسلام ويخالف ما أعلم الله به فلو أجزناه إليه أجزناه على أمر مجهول فكره لأنه مجهول وأنه خلاف ما أمر به الله ورسوله أن يتأجل فيه ولم يجز فيه إلا قول النصارى على حساب يقيسون فيه أياما فكنا إنما أعلمنا فى ديننا بشهادة النصارى الذين لا نجيز شهادتهم على شىء وهذا عندنا غير حلال لأحد من المسلمين، ثم أيد ذلك بما رواه عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا تبيعوا إلى العطاء ولا إلى الأندر - أى البيدر وهو موضع دراس القح- ولا إلى الدياس. ثم قال: إن رجلا لو باع إلى العطاء أو الجداد أو الحصاد كان فاسدا. وجاء فى المنهاج وشرحه(24): إن أطلق المتعاقدان فى السلم الشهر حمل على الهلالى وهو ما بين الهلالين وإن اضطرد عرفهم بغير ذلك إذ هو عرف المشرع، وقيده الأوزاعى كما فى حاشية الرشيدى بما إذا لم يجر العرف بخلافه. والذى فى حاشية قليوبى.. إلخ. " أنه إن أطلق الشهر حمل على الهلالى.، وإن خالف عرف العاقدين ثم قال صاحب المنهاج وشارحه: هذا إن عقد أول الشهر فإن انكسر شهر بأن وقع العقد فى أثنائه وكان التأجيل بشهور حسب الباقى بعد الأول بالأهلة وتمم الأول ثلاثين يوما ولا يلغى المنكسر لئلا يتأخر ابتداء الأجل عن العقد. نعم لو عقدا فى يوم أو ليلة آخر الشهر اكتفى فى الأشهر بعده بالأهلة وإن نقص بعضها ولا يتمم الأول مما بعدها لأنها مضت عربية كوامل هذا إن نقص الشهر الأخير وإلا لم يشترط انسلاخه بل يتمم منه المنكسر ثلاثين يوما لتعذر اعتبار الهلال فيه حينئذ.
وعلق الشبراملسى على قول الرملى فى شرج المنهاج: " هذا إن نقص الشهر الأخير بأن الإشارة بكلمة هذا ترجع إلى الاكتفاء بالأهلة بعد يوم العقد، ومفاد ذلك أنهم يقولون بأنه إذا عقد المتعاقدان فى يوم أو ليلة أخر الشهر لا يكتفى بالأشهر بعده إلا إذا كان الشهر الأخير ناقصا فإن لم يكن ناقصا يتمم منه المنكسر ثلاثين يوما تحسب بالأيام بالنسبة للشهر الذى وقع العقد فى أخر يوم أو ليلة منه.
مذهب الحنابلة:
يقول ابن قدامة(25): لابد من كون الأجل معلوما، لقوله تعالى: ( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى (، وقول النبى صلى الله عليه وسلم: " إلى أجل معلوم ".
ولا نعلم فى اشتراط العلم فى الجملة اختلافا. فأما كيفيته فإنه يحتاج أن يعلم بزمان بعينه لا يختلف. ثم قال(26): إذا جعل الأجل إلى شهر تعلق بأوله وإن جعل الأجل اسما يتناول شيئين كجمادى وربيع ويوم النفر تعلق بأولهما، وإن قال: إلى ثلاثة أشهر انصرف إلى انقضائها لأنه إذا ذكر ثلاثة أشهر مبهمة وجب أن يكون ابتداؤها من حين لفظه بها، وكذا لو قال إلى شهر كان الأجل إلى أخره وينصرف ذلك إلى الأشهر الهلالية بدليل قوله تعالى: ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم ((27) وأراد الهلالية، وإن كان فى أثناء شهر كانا شهرين بالهلال وشهرا بالعدد ثلاثين يوما، وقيل: تكون الثلاثة كلها عددية، وإن قال محل الأجل شهر كذا أو يوم كذا صح وتعلق بأوله.
ثم قال(28): أكون الأجل معلوما بالأهلة أمر لا خلاف فى صحة التأجيل به وذلك نحو أول الشهر أو وسطه أو أخره أو يوم معلوم منه لقوله تعالى: ( يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج ((29) ولو أسلم إلى عيد الفطر أو النحر أو يوم عرفة أو عاشوراء أو نحوها جاز لأنه معلوم بالأهلة. قال: وإن جعل الأجل مقدرا بغير الشهور الهلالية فذلك قسمان: أحدهما ما يعرفه المسلمون وهو بينهم مشهور مثل كانون وشباط، أو عيد لا يختلف كالنيروز والمهرجان عند من يعرفهما فظاهر كلام الخرقى وابن أبى موسى أنه لا يصح لأنه أجل إلى غير الشهور الهلالية أشبه ما إذا أجل إلى الشعانين - عيد الأحد الذى قبل الفصح- وعيد الفطير ولأن هذه لا يعرفها كثير من المسلمين، وقال القاضى: يصح. والقسم الثانى مالا يعرفه المسلمون كعيد الشعانين وعيد الفطير فهذا لا يجوز التأجيل إليه لأن المسلمين لا يعرفونه، لا يجوز تقليد أهل الذمة فيه لأن قولهم غير مقبول ولأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم وإن أجل إلى مالا يختلف مثل كانون الأول ولا يعرف المتعاقدان أو أحدهما لم يصح لأنه مجهول عنده.
وقال: ولا يصح أن يؤجله إلى الحصاد والجداد وما أشبهه وكذلك قال ابن عباس وابن المنذر وأبو حنيفة والشافعى وعن أحمد رواية أخرى أنه قال: أرجو ألا يكون به بأس وبه قال مالك وأبو ثور وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء وبه قال ابن أبى ليلى. وقال أحمد: إن كان شىء يعرف فأرجو. وكذلك إن قال: إلى قدوم الغزاة وهذا محمول على أنه أراد وقت العطاء لأن ذلك معلوم فأما نفس العطاء فهو فى نفسه مجهول يختلف ويتقدم ويتأخر ويحتمل أنه أراد نفس العطاء لكونه يتفاوت أيضا فأشبه الحصاد واستدل لما رجحه من عدم جواز التأجيل إلى الحصاد ونحوه بما روى عن ابن عباس أنه قال: لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تبايعوا إلا إلى شهر معلوم، ولأن ذلك يختلف ويقرب ويبعد فلا يجوز أن يكون أجلا كقدوم زيد. وقال: إن حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودى أن ابعث لى بثوبين إلى الميسرة رواه حرمى بن عمارة وفيه غفلة فربما كان هذا الحديث من غفلاته إذ لم يتابع عليه. على أنه لا خلاف فى أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح.
وقال فى باب الإجارة(30): إن الإجارة إذا وقعت على مدة يجب أن تكون معلومة.. فإن قدر المدة بسنة مطلقة حمل على سنة الأهلة لأنها المعهودة فى الشرع. قال الله تعالى: ( يسألونك عن الأهلة ( فوجب أن يحمل العقد عليه فإن شرط هلالية كان تأكيدا، وإن قال عددية أو سنة بالأيام كان له ثلثمائة وستون يوما لأن الشهر العددى يكون ثلاثين يوما، وإن استأجر سنة هلالية عد اثنى عشر شهرا بالأهلة سواء كان الشهر تاما أو ناقصا لأن الشهر الهلالى ما بين الهلالين ينقص مرة ويزيد أخرى قال: وإن كان العقد فى أثناء شهر عد ما بقى من الشهر وعد بعده أحد عشر شهرا بالهلال ثم كمل الشهر الأول بالعدد ثلاثين يوما لأنه تعذر إتمامه بالهلال فتممناه بالعدد وأمكن استيفاء ما عداه بالهلال فوجب ذلك لأنه الأصل. وحكى عن أحمد رواية أخرى أنه يستوفى الجميع بالعدد فوجب استيفاء جميعها به كما لو كانت المدة شهرا واحدا ولأن الشهر الأول ينبغى أن يكمل من الشهر الذى يليه فيحصل ابتداء الشهر الثانى فى أثنائه فكذلك كل شهر يأتى بعده. وهكذا إن كان العقد على أشهر دون السنة وإن جعلا السنة رومية أو شمسية أو فارسية أو قبطية وكانا يعلمان ذلك جاز.
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم الظاهرى(31):
إنما يجوز الأجل إلى ما لا يتأخر ساعة ولا يتقدم كالشهور العربية والعجمية وكطلوع الشمس وغروبها وطلوع كوكب مسمى أو غروبه فكل هذه محدود الوقت عند من يعرفها قال تعالى: ( يسألونك عن الأهلة ( واستدل بعموم قوله تعالى: ( يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ( على أن الأجل يعم كل محدود وهذا قول الحسن بن حى وأبى سليمان وأصحابنا.. واستثنى ابن حزم من اشتراط تحديد الأجل، الأجل إلى الميسرة، وقال(32): إنه حق للنص فى ذلك ولأنه حكم الله تعالى فى كل من لا يجد أداء دينه.
ويقول(33): لا يجوز البيع إلى أجل مجهول كالحصاد والجداد والعطاء والزريعة- وقت الزرع- والعصير وما أشبه هذا وهو قول أبى سليمان لأن كل ذلك يتقدم بالأيام ويتأخر. والحصاد والجداد يتأخران أياما إن كان المطر متواترا ويتقدمان بحر الهواء وعدم المطر، وكذلك العصير، وأما الزريعة فتتأخر شهرين أو أكثر لعدم المطر، وأما العطاء فقد ينقطع جملة. فكل ذلك شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل.
ثم قال: ولا يجوز الأجل إلى صوم النصارى أو اليهود أو فطرهم ولا إلى عيد من أعيادهم لأنها من زينتهم ولعلهم سيبدو لهم فيها فهذا ممكن. وأيد ذلك(34) بما روى عكرمة عن ابن عباس لا يسلم إلى عصير ولا إلى العطاء ولا إلى الأندر، وعن سعيد بن جبير: لا تبع إلى الحصاد ولا إلى الجداد ولا إلى الدراس، ولكن سم شهرا وبسنده إلى ابن سيرين أنه سئل عن البيع إلى العطاء فقال: لا أدرى ما هو. وعن منصور بن إبراهيم أنه كره الشراء إلى العطاء والحصاد ولكن يسمى شهرا، وبسنده إلى الحكم أنه كره البيع إلى العطاء ثم قال: هو قول سالم بن عبد الله بن عمر وعطاء. وأطال قبل ذلك فى مناقشة المخالفين له.
مذهب الزيدية:
قال صاحب البحر الزخار فى باب السلم(35): يجب كون الأجل معلوما ويصح تقييده بالشهر الرومى والعربى والأيام المشهورة كالعيدين والنفرين - النفر إلى منى وإلى عرفة- ويوم عاشوراء لتعيينها، فإن أطلق العيد أو ربيع أو جمادى تعين الأول، وإن عين النيروز أو المهرجان أو عيد اليهود أو فطير اليهود أو فصح النصارى والشعانين صح أن عرفها المسلمون لا اليهود وحدهم إذ لا يوثق بقولهم وقال الإمام يحيى: لو قال أسلمت إليك إلى رأس الشهر لم يصح إذ لا يعلم أى يوم يطالبه. ونقل عنه أنه لو قال: أجلتك إلى شهر تدفع كل أسبوع رطلا صح لأن ما جاز إلى أجل جاز إلى أجلين وآجال. قال صاحب البحر: بل المذهب فى ذلك أن له إلى أخر اليوم المطلق، ورأس شهر هو فيه لأخره وإلا فللشروق فى أول يوم فيه. ثم قال: ولو أجله خمسة أشهر تعينت القمرية إذ هى المعهودة فى الشرع لقوله تعالى: ( يسألونك عن الأهلة ( ويعتبر بالأهلة لا بالعدد إلا حيث دخل بعض الشهر اعتبر بالعدد وما بعده بالأهلة لقوله صلى الله عليه وسلم: ".. فإن غم عليكم فأكملوا عدته ثلاثين يوما"، ونقل عن العترة وغيرهم أنه لا يصح التأجيل إلى الحصاد ونحوه للجهالة بدليل قول النبى صلى الله عليه وسلم: " لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس ولا تبايعوا إلا إلى أجل معلوم ". ونقل عن الهادى أيضا أنه لا يصح إلى قدوم غائب ونحوه للجهالة ويصح إلى وقت العطاء إن كان معلوما.
مذهب الإمامية:
قال صاحب الروضة(36): لا يناط الأجل بما يحتمل الزيادة والنقصان، كقدوم الحاج أو إدراك الغلة، ولا بالمشترك بين أمرين أو أمور حيث لا مخصص لأحدهما كنفرهم من منى فإنه مشترك وبين أمرين، وشهر ربيع المشترك بين شهرين فيبطل العقد بذلك، ومثل التأجيل إلى يوم معين من الأسبوع كالخميس، وقيل: يصح ويحمل على الأول فى الجميع لتعليقه الأجل على اسم معين وهو يتحقق بالأول لكن يعتبر علمهما بذلك قبل العقد ليتوجه قصدهما إلى أجل مضبوط فلا يكفى ثبوت ذلك شرعا مع جهلهما أو أحدهما به، ومع القصد لا إشكال فى الصحة وإن لم يكن الإطلاق محمولا عليه ويحتمل الاكتفاء فى الصحة بما يقتضيه الشرع فى ذلك قصداه أم لا نظرا إلى كون الأجل الذى عيناه مضبوطا فى نفسه شرعا، وإطلاق اللفظ منزل على الحقيقة الشرعية. وقال: فى موضع آخر(37) من باب السلف: الشهور يحمل إطلاقها على الهلالية مع إمكانه كما إذا وقع العقد فى أول الشهر ولو وقع فى أثنائه ففى عده هلاليا يجبره بمقدار ما مضى منه أو إكماله ثلاثين يوما أو انكسار الجميع لو كان معه غيره أقوال: وعدها ثلاثين يوما أوجه.
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل وشرحه(38): فسد كل بيع أجل لغير وقت منضبط، لا لمنضبط كحصاد وجداد ودوس وقدوم الأعراب أو المسافرين أو الحاج، وخروج إلى بلد كذا، ووصول إلى البيت أو السوق والأخذ والعطاء والرزق عند الأكثر. وقيل: يجوز إلى الأجل المجهول على ما أسسا عليه البيع كما فى المنهاج، وقيل: إنه إن باع إلى خروج المشترى إلى بلد كذا أو إلى أن يصل إلى البيت أو السوق أو نحو ذلك فسد بالجهل وعدم العلم أيخرج أم لا ويصل أم لا؟
ثم قال: وأجاز ابن محبوب البيع إلى أيام وهى ثلاثة وكذا السلف لا إلى الأيام، وقيل بالجواز على أنها لسبعة، وفى التأجيل إلى القيظ والصيف والربيع والخريف والشتاء خلاف، قيل: يثبت إلا إذا نقضاه وقيل: لا يثبت الأجل إلا أن أتماه، وإن أراد الفصول بالحساب الذى يذكر بالفلك جاز قطعا وإن قال إلى شهر كذا فأوله، وإن قال إلى ربيع أو جمادى فالتأجيل ضعيف لأنهما ربيعان وجماديان ولهما النقض والصحيح فساده إلا إن قصدا معينا جاز قطعا. ثم قال: ويجوز الأجل بالسنة العجمية وشهورها على التحقيق وزعم البعض أنه لا يجوز وأصح الآجال الأهلة قوله تعالى: ( هى مواقيت للناس (.
اختلاف المتعاقدين فى الأجل
مذهب الحنفية:
يقول الحصكفى فى الدر المختار وابن عابدين فى حاشيته(39): لو اختلفا فى الأجل فالقول لنافيه وهو البائع، لأن الأصل الحلول إلا فى السلم، فإن لقول لمثبته لأن نافيه يدعى فساده ففقد شرط صحته وهو التأجيل، ومدعيه يدعى صحته بوجوده والقول لمدعى الصحة والفتوى على ذلك. ولو اختلفا فى قدر الأجل فلمدعى الأقل إنكار الزيادة، والبينة فيهما أى فى المسألتين للمشترى لأنه يثبت خلاف الظاهر والبينات للإثبات ولو اختلفا فى مضى الأجل فالقول والبينة للمشترى لأنهما لما اتفقا على الأجل فالأصل بقاؤه فكان القول للمشترى فى عدم مضيه ولأنه منكر توجه المطالبة.
وقد أورد صاحب تنوير الأبصار وشارحه، فى باب السلم فروعا(40) يختص منها الاختلاف فى أجل السلم بقوله: وإن اختلفا فى التأجيل فالقول لمدعى التأجيل، والأصل أن من خرج كلامه تعنتا فالقول لصاحبه بالاتفاق وعلق ابن عابدين على ذلك فقال: إن التعنت أن ينكر ما ينفعه. فلو قال رب السلم كان له أجل وأنكر المسلم إليه فهو متعنت فى إنكاره حقا له وهو الأجل كما فى الهداية. وقال الحصكفى فى الدر: وإن خرج كلامه خصومة ووقع الاتفاق على عقد واحد فالقول لمدعى الصحة عند الصاحبين وعند الإمام للمنكر. وفسر ابن عابدين عبارة " وإن خرج خصومة " فقال بأن أنكر ما يضره كعكس التصوير فى المسألة السابقة أى قال المسلم إليه كان التعاقد على الأجل وأنكر رب السلم ذلك.
وقد رجعنا إلى الهداية(41) فوجدنا عبارة الميرغينانى فى السلم بخاصة: ولو قال بل كان له أجل. فالقول قول رب السلم المسلم إليه لم يكن له أجل وقال رب السلم لأن المسلم إليه متعنت فى إنكاره حقا له وهو الأجل، والفساد لعدم الأجل غير متيقن فكان الاجتهاد فلا يعتبر النفع فى رد رأس لمال بخلاف عدم الوصف وفى عكسه وهو أن يدعى المسلم إليه الأجل ورب السلم ينكره كما فى الفتح. القول لرب السلم عندهما لأنه ينكر حقا له عليه فيكون القول قوله.
مذهب المالكية:
قال خليل والدردير(42): لو اختلفا فى قدر الأجل كبعت لشهر، وقال المشترى لشهرين، حلفا وفسخ إن كانت السلعة قائمة على المشهور، ومحل الفسخ إن حكم به الحاكم أو تراضيا عليه ثم تعود السلعة على ملك البائع ظالما أو مظلوما ويكون الفسخ ظاهرا أى عند الناس وباطنا - أى عند الله تعالى- وصدق المشترى إن ادعى الأشبه- أى الأقرب إلى ما عليه التعامل- وإن انفرد البائع بالشبه فالقول قوله بيمينه فمحل التحالف إن لم يدع أحدهما الأشبه، وفى حالة التحالف يبدأ البائع بالحلف(43).
ثم قال بعد ذلك(44): إذا اختلف المتبايعان فى انتهاء الأجل مع اتفاقهما عليه كأن يقول البائع: هو شهر وأوله هلال رمضان وقد انتقض. فيقول المشترى: بل أوله نصف رمضان فالانتهاء فى نصف شوال فالقول عند الانتهاء- وهو هنا المشترى- بيمينه لأن الأصل بقاؤه- إن أشبه، سواء أشبه غيره أم لا- فإن أشبه غيره فقط فالقول قوله بيمينه فإن لم يشبه أيضا حلف وفسخ العقد فإن كانت السلعة قائمة ردت للبائع وإن فاتت ردت قيمتها ويقضى للحالف على الناكل.
وأما إن اختلفا فى أصل الأجل فإنه يعمل بالعرف بيمينين فإن لم يكن عرف تحالفا وتفاسخا إن كانت السلعة قائمة وإلا صدق المشترى بيمينه إن ادعى أجلا قريبا لا يتهم فيه، وإلا فالقول للبائع إن حلف.
مذهب الشافعية:
جاء فى المنهاج وشرحه(45): إذا اتفق المتبايعان على صحة البيع ثم اختلفا فى أصل الأجل بأن أثبت المشترى الأجل ونفاه البائع، أو اختلفا فى قدره كشهر أو شهرين ولا بينة لأحدهما يعول عليها. فإن كانت لهما بينة لا يعول عليها بأن أقام كل بينة وتعارضتا لإطلاقهما عن التاريخ أو إطلاق أحدهما فقط أو لكونهما أرخا بتاريخين مختلفين فإنهما يتحالفان فى هذه الصور لخبر مسلم " اليمين على المدعى" وكل منهما مدع ومدعى عليه. قال الرملى(46): فيحلف كل منهما على نفى قول صاحبه وإثبات قوله لما مر من أن كلا مدع ومدعى عليه فينفى ما ينكره ويثبت ما يدعيه هو.
مذهب الحنابلة:
يقول ابن قدامة(47): وإن اختلفا فى أصل الأجل أو قدره أو نحو ذلك ففيه روايتان: إحداهما يتحالفان وهو قول الشافعى لأنهما اختلفا فى صفة العقد فوجب أن يتحالفا قياسا على الاختلاف فى الثمن والثانية القول قول من ينفى ذلك مع يمينه وهو قول أبى حنيفة لأن الأصل عدمه فالقول قول من ينفيه كأصل العقد لأنه منكر والقول قول المنكر.
وقال ابن قدامة فى باب السلم(48): إذا اختلف المسلم والمسلم إليه فى حلول الأجل فالقول قول المسلم إليه لأنه منكر.
مذهب الزيدية:
ينقل صاحب البحر(49) عن الهادى وأبى طالب أن المتبايعين إذا اختلفا فى قدر المسلم فيه أو أجله تحالفا وبطل إذ كل مدع لقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا البيع " فإن بينا فبينة المسلم: ثم قال: المذهب أن القول للمسلم إليه فى عدة مسائل منها عدم اقتضاء الأجل إذ هو الظاهر ويقول صاحب البحر فى موضوع الكتابة(50): إن المذهب وهو قول الإمام يحيى أن القول للعبد فى قدر المال وأجله وتنجيمه إذ الظاهر البراءة فى ذلك كله.
مذهب الإباضية:
جاء فى النيل وشرحه(51): إن اختلف الأجير والمستأجر، أو المكرى والمكترى فى المدة، فالقول فيها قول الأجير والمكرى، فعلى مدعى الزيادة فيها وهو المكترى والمستأجر غالبا بيان الزيادة وكذا لو ادعاها الأجير والمكرى وذلك مثل أن يقول الأجير مدة الكراء نصف سنة ويقول المستأجر سنة فعلى المستأجر البينة، وكذا لو قال الأجير مدة الكراء سنة وقال المستأجر نصف سنة لداع إلى ذلك كيمين أو إرادة رفق على الأجير أو إرادة زيادة خير للمستأجر فعلى الأجير بيان الزيادة، وذلك لأن المدعى لزيادة المدة يدعى شيئا بعد ما اتفقا على ما قبله فلا يقبل بلا بيان ولاسيما إن كانت نفعا له فى العمل وكذا إن اتفقا على المدة واختلفا فى انقضائها مثل أن يقولا: إنها شهر ولم يكن البدء من أول الشهر بل حسب الأيام لكن اختلفا هل استهل ليلة كذا فينسلخ ليلة كذا فالقول قول من لم يدع الانقضاء وكذا لو كان عدم الانقضاء مضرة عليه كالمكرى والأجير وذلك لأن الذمة شغلت بالمدة فلا تقبل البراءة منها بادعاء الانقضاء بلا بيان ثم قال: وأصل ذلك حرمة أموال الناس وأبدانهم إلا ما أجاز إليه صاحبهما فمن أنكر منهما كان القول قوله وحلف.
حكم الأجل
الأجل يكون جائزا فى بعض العقود كالتأجيل بالنسبة لثمن المبيع ويكون واجبا فى بعضها كخيار الشرط كما هو مقتضى ماهيته وكالسلم خلافا لبعض الفقهاء كالشافعية. ويكون ممنوعا فى بعضها كالصرف وبيع الربويات على تفصيل فى المذاهب.
مذهب الحنفية:
مما يجوز التأجيل فيه عندهم البيع.
وجاء فى الهداية وشروحها(52): يجوز البيع بثمن حال ومؤجل إذا كان الأجل معلوما للإطلاق فى قول الله تعالى: ( وأحل الله البيع وحرم الربا ((53) ، ولما رواه البخارى عن السيدة عائشة- رضى الله عنها- قالت: "إن الرسول صلى الله عليه وسلم اشترى طعاما نسيئة من يهودى إلى أجل ورهنه درعا له من حديد". ومما يجوز التأجيل فيه رأس مال السلم عند الإقالة وكذا القرض، يقول ابن عابدين(54): إن القرض يصح تأجيله مع كونه غير لازم، لكن قال فى الهداية: إن تأجيله لا يصح لأنه إعارة وصلة فى الابتداء حتى يصح بلفظ الإعارة ولا يملكه من لا يملك التبرع وهو معاوضة فى الانتهاء فعلى اعتبار الابتداء لا يلزم التأجيل فيه كما فى الإعارة إذ لا جبر فى التبرع وعلى اعتبار الانتهاء لا يصح لأنه يصير بيع الدراهم بالدراهم نسيئة وهو ربا. قال ابن عابدين: إن مقتضى هذه العبارة أن قوله: " لا يصح على حقيقته لأنه إذا وجد فيه ما يقتضى عدم اللزوم وما يقتضى عدم الصحة ولا منافاة وجب اعتبار عدم الصحة، ولهذا علل فى الفتح لعدم الصحة أيضا بقوله: ولأنه لو لزم كان التبرع ملزما للمتبرع. ثم نقل ابن عابدين عن القنية أن التأجيل فى الفرض باطل.
وقالوا: إن التأجيل فى بدل الكتابة جائز كالتنجيم. جاء فى الدر المختار(55) تعليقا على ما أورده التمرتاشى فى تنوير الأبصار عن شرط الكتابة. قال: لا يشترط كون البدل منجما أو مؤجلا لصحتها بالحال ونقل عن باب السلم فى الجوهرة أنه يجوز تأجيل رأس مال السلم بعد الإقالة لأنه دين لا يجب قبضه فى المجلس كسائر الديون ومما يجب التأجيل فيه السلم جاء فى الهداية وشروحها(56): لا يجوز السلم إلا مؤجلا لقوله عليه الصلاة والسلام: " من أسلم منكم فليسلم " إلى أجل معلوم ولأنه شرع رخصة دفعا لحاجة المفاليس فلابد من الأجل ليقدر على التحصيل فيسلم ولو كان قادرا على التسليم لم يوجد المرخص ويحرم الأجل عند الأحناف فى مثل الربويات ومنها عقد الصرف.
جاء فى الهداية وشروحها(57): ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق لقوله صلى الله عليه وسلم: " الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد"، ولقول عمر فى الصرف: " وإن استنظرك أن يدخل بيته فلا تنظره ولأنه لابد من قبض أحدهما ليخرج العقد عن الكالىء بالكالىء، ثم لابد من قبض الآخر تحقيقا للمساواة فلا يتحقق الربا ولأن أحدهما ليس بأولى من الآخر فوجب قبضهما سواء كافا متعينين كالمصوغ أم لا يتعينان كالمضروب.
مذهب المالكية:
المالكية يجيزون البيع فى غير الربويات بثمن مؤجل. جاء فى فروعهم(58): " سئل عبد الرحمن بن القاسم عمن باع ثوبا بمائة درهم إلى أجل شهر ثم اشترى بمائة درهم إلى الأجل. أيصح ذلك فى قول مالك. قال: نعم لا بأس فى ذلك وقد لخص الدسوقى فى باب القرض(59) أن المقترض إذا قبض القرض فإن كان له أجل مضروب أو معتاد لزمه رده إذا اقتضى ذلك الأجل وإن لم ينتفع به عادة أمثاله، فإن لم يكن ضرب له أجل ولم يعتد فيه أجل فلا يلزم المقترض رده لمقرضه إلا إذا انتفع به عادة أمثاله، ثم قال خلافا لمن قال أن الفرض إذا لم يؤجل بشرط أو عادة كان على الحلول، فإذا طلبه المقرض قبل انتفاع المقترض به رده إليه، والسلم عندهم يجب تأجيله كالأحناف. جاء فى متن خليل وشرح الدردير(60): من شروط السلم أن يؤجل السلم بأجل معلوم. وعلله الدسوقى بأن التأجيل ليسلم من بيع ما ليس عند الإنسان المنهى عنه بخلاف ما إذا ضرب الأجل فإن الغالب تحصيل المسلم فيه فى ذلك الأجل فلم يكن من بيع ما ليس عنده إذ كأنه إنما يبيع ما هو عنده عند الأجل ويختلفون فى وجوب تنجيم بدل الكتابة. يقول خليل: والظاهر اشتراط التنجيم. و يقول الدردير: إنهم اختلفوا فى لزوم تنجيم بدل الكتابة - أى وجوبه كما قال الدسوقى- فقيل: يلزم تنجيمه. وفسر الدسوقى التنجيم بالتأجيل لأجل معين، ثم قال الدردير: فإذا وقعت الكتابة بغير تنجيم فهى صحيحة وتنجم لزوما على الراجح- أى وجوبا- لأن العرف فيها التأجيل كما يقول الدسوقى.
وقال ابن رشد: الصحيح جوازها حالة ولا يجب التنجيم، لكنها إن وقعت حالة فقطاعة قال الدسوقى: أى يقال لها: قطاعة كما يقال لها: كتابة، فالقطاعة عنده من أفراد الكتابة(61).
ويحرم التأجيل عندهم فى الربويات فقالوا(62): وحرم كتابا وسنة وإجماعا فى نقد أى ذهب وفضة وطعام ربا فضل ونساء أى تأخير والنساء- أى نسيئة يحرم فى النقد مطلقا وكذا فى الطعام ولو غير ربوى- ونقل الدسوقى عن الأجهورى أن ربا النساء فى النقد حرام ومثله طعام وإن جنساهما قد تعددا، ثم قال(63): ولا يجوز صرف مؤخر ولو كان التأخير قريبا مع فرقة ببدن اختيارا ولو بأن يدخل أحدهما فى الحانوت ليأتى له بالدراهم منه لا إن لم تحصل فرقة فلا يضر إلا إذا طال.
مذهب الشافعية:
يجيز الشافعية الأجل فى البيع فى غير الربويات. جاء فى شرح المنهاج لجلال الدين المحلى(64): " إذا بيع الطعام بغيره كنقد أو ثوب أو غير الطعام بغير الطعام وليسا نقدين كحيوان بحيوان لم يشترط فى البيع حلول ولا مماثلة ولا تقابض فيكون الأجل جائزا فى هذه الأنواع وهم يذكرون ذلك فى فروعهم ففى المنهاج(65): "للمشترى قبض المبيع استقلالا إن كان الثمن مؤجلا". وهم يقيسون السلم على البيع فى جوازه بثمن حال ومؤجل(66).
والسلم ينص الشافعى على أن التأجيل فيه جائز لا واجب يقول أبو شجاع والخطيب والبيجرمى فى حاشيته على الإقناع(67): يصح السلم حالا ومؤجلا بأن يصرح بهما فإن أطلق انعقد حالا. وأما الحال فبالأولى لبعده عن الغرر كما يجب الأجل فى بدل الكتابة عندهم. جاء فى المنهاج وشرحه(68) فى كتاب الكتابة: "وصيغتها كاتبتك على كذا منجما ويبين وجوبا عدد النجوم". وقال(69): وشرط العوض كونه دينا مؤجلا لأنه المنقول عن السلف والخلف ولأنه عاجز حالا.. ثم قال الرملى: "ولا بأس بكونها ولو فى الذمة حالة لقدرته على الشروع فيها حالا وتصح بنجمين قصيرين". وعلق الشبراملسى على ذلك بقوله: الذى فى شرح المنهج نصه: "ولا تخلو المنفعة من التأجيل وإن كان فى بعض نجومها تعجيل فالتأجيل فيها شرط فى الجملة ومثله فى التحفة".
ويحرم عندهم التأجيل فى الربويات أيضا على ما يصوره تعبيرهم. جاء فى المنهاج وشرحه(70): إذا بيع الطعام بالطعام أو النقد بالنقد إن كانا جنسا واحدا اشترط الحلول من الجانبين بالإجماع لاشتراط المقابضة ومن لازمها الحلول فمتى اقترن بأحدهما تأجيل وإن قل زمنه أو حل قبل تفرقهما لم يصح أو جنسه كحنطة وشعير جاز التفاضل واشترط الحلول والتقابض لحديث "الذهب بالذهب ".. فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد.
مذهب الحنابلة:
وهم أيضا يجيزون تأجيل الثمن فى البيع فى غير الربويات ويذكرون ذلك فى فروعهم، يقول ابن قدامة(71): "فإن قال: بعتك على أن تنقدنى الثمن إلى ثلاث أو مدة معلومة وإلا فلا بيع بيننا فالبيع صحيح".
وقالوا: يجب التأجيل فى السلم(72) إذ نصوا على أنه يشترط لصحة السلم أن يكون مؤجلا ولا يصح الثمن الحال. قال أحمد فى رواية المروزى: لا يصح حتى يشترط الأجل وذكر الحديث. ثم قال: فأمر بالأجل وأمره يقتضى الوجوب ولأنه أمر بهذه الأمور مبينا لشروط السلم ومنعنا منه بدونها وكذا لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن فكذلك الأجل لأن السلم رخصة للرفق ولا يحصل الرفق إلا بالأجل فإذا انتقى الأجل انتفى الرفق ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه أما الاسم فلأنه يسمى سلما وسلفا لتعجيل أحد العوضين وتأخير الآخر، وأما معنى فلأن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه ومع حضور ما يبيعه حالا لا حاجة إلى السلم فلا يثبت كما قالوا بوجوب الأجل فى بدل الكتابة(73). ويحرم الأجل عندهم فى الربويات، يقول ابن قدامة(74): وكل ما كيل أو وزن من سائر الأشياء فلا يجوز التفاضل فيه إذا كان جنسا واحدا ثم يقول(75): وكل ما حرم فيه التفاضل حرم فيه النساء بغير خلاف نعلمه ويحرم التفرق قبل القبض لقول النبى صلى الله عليه وسلم: " عينا بعين "، وقوله: " يدا بيد ". ولأن تحريم النساء أولى بالتحريم ثم قال: وما كان من جنسين فجائز التفاضل فيه ولا يجوز نسيئة لقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ".
مذهب الظاهرية:
ومما يجوز التأجيل فيه عندهم ثمن المبيع بشرط تحديد الأجل.
يقول ابن حزم الظاهرى فى كتاب البيع(76): لا يجوز البيع بثمن مجهول ثم قال: وإنما يجوز الأجل إلى مالا يتأخر ساعة ولا يتقدم، وكذا فالقرض عندهم مما يجوز فيه الأجل. يقول ابن حزم(77): القرض إما حالا فى ذمته وإما إلى أجل مسمى هذا مجمع عليه ثم قال(78): فإن كان الدين حالا فللذى أقرض أن يأخذ به المقترض متى أحب وعنده(79) أن القرض جائز فى الأصناف الربوية ويجوز إلى أجل مسمى ومؤخرا تحت الطلب فيكون حالا فى الذمة متى طلبه صاحبه أخذه كما أجازوا الأجل فى بدل الكتابة. قال ابن حزم(80): ومن كوتب إلى غير أجل مسمى فهو على كتابته ما عاش السيد، ومن كوتب إلى أجل مسمى نجم واحد أو نجمين فصاعدا فحل وقت النجم ولم يؤد رد عبدا، ويجب الأجل عندهم فى السلم، يقول ابن حزم(81): السلم لا يجوز إلا إلى أجل مسمى ولابد. واستدل بالحديث ثم قال ففى هذا إيجاب الأجل المعلوم ويحرم التأجيل عندهم فى بيع الربويات وهو بيع صنف من الأصناف الواردة فى حديث " الذهب بالذهب " بمثله نسيئة كما يحرم متفاضلا ويجوز بيع كل صنف منها بالأصناف الأخرى بشرط أن يكون يدا بيد. قال ابن حزم(82): لا يحل أن يباع قمح بقمح إلا مثلا بمثل يدا ليد، وذكر مثل ذلك فى باقى الأصناف، ثم قال(83): وجاز بيع كل صنف مما ذكرنا بالأصناف الأخرى متفاضلا ومتماثلا إذا كان يدا بيد ولا يجوز فى ذلك التأخير طرفة عين فأكثر لا فى بيع ولا فى سلم، ثم قال(84): وجاز بيع الذهب بالفضة سواء فى ذلك الدنانير بالدراهم أو بالحلى والدراهم بحلى الذهب، يدا بيد ولابد عينا بعين، ولا يجوز التأخير فى ذلك طرفة عين لا فى بيع ولا فى سلم ويباع الذهب بالذهب لا يحل التفاضل ولا التأخير طرفة عين، وتباع الفضة بالفضة وزنا بوزن يدا بيد ولا يجوز التأخير فى ذلك طرفة عين لا بيعا ولا سلما.
مذهب الزيدية:
يجوز البيع عندهم بثمن مؤجل أيضا ويذكرونه فى فروعهم. يقول صاحب البحر(85): ولا يصح أن يأخذ بالثمن المؤجل غير جنسه قبل حلول أجله.
ويجب عندهم فى السلم لأن التأجيل فى ماهيته يقول صاحب البحر: السلم هو تعجيل أحد البدلين وتأجيل الآخر كما ذكر فى شروط السلم الأجل(86) كما يشترطون فى باب الكتابة التأجيل والتنجيم مع اختلافهم فى أقل النجوم، ونقل صاحب البجر عن المؤيد بالله وأبى طالب وأبى العباس أن التأجيل والتنجيم شرط وأقله نجمان قيل: ولو فى ساعتين، وقيل: بل أقل أجل السلم، وقال: إنه قوى، وأن وجه اشتراط التأجيل والتنجيم قول على الكتابة على نجمين، ولفعل عثمان ذلك مع عبده. ويحرم التأجيل فى الربويات. نقل صاحب البحر(87) عن العترة: إن ما لا يكال ولا يوزن جاز التفاضل فيه كالرمانة بالرمانتين ويحرم النساء لقوله عليه السلام: "لا ربا إلا بالنسيئة فعم إلا ما خصه دليل، ثم نقل أنهما إذا اتفقا جنسا وتقديرا أو فى أحدهما اشترط التقابض فى المجلس لقوله عليه السلام: "إلا يدا بيد "، ولقوله: "التمر بالملح يدا بيد كيف شئتم". وكذلك يحرم فى الصرف يقول صاحب البحر(88): إن من شروط الصرف الحلول لقوله صلى الله عليه وسلم: " إلا ها وها ". والتأجيل يفسده ولو حل قبل التفرق إذ يخالف موجب عقده وهو التعجيل. كما نقل(89) عن المؤيد بالله وأبى طالب والقاضى زيد وأبى العباس أنه لا يصح الأنظار بالقرض إذ هو تبرع كالعارية، والتأجيل نقص للعوض وموضوع القرض تماثلها.
مذهب الإمامية:
مما يجوز التأجيل فيه عندهم ثمن المبيع إذا اتفق عليه الطرفان، جاء فى المختصر النافع(90): "من ابتاع مطلقا فالثمن حال ولو شرط التأجيل مع تعيين المدة صح".
وفى قلائد الدرر(91): ويجوز تأجيل القرض عندهم إذ يقول: إن آية ( يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى (. تدل على جواز تأجيل القرض. كما جاء فيه(92): إن فى قوله تعالى: ( إلى أجل ( يفهم إباحة المعاملة بالدين مؤجلا نسيئة وسلما لأن الدين حق يثبت فى الذمة فهو أعم من المؤجل وغيره.
ويجب الأجل فى السلم الذى يسمونه سلفا فقد عرفه صاحب المختصر النافع(93) بأنه ابتياع مضمون إلى أجل بمال حاضر واشترطوا لصحته تعيين الأجل. ويقول صاحب الروضة البهية(94): وتقارن الكتابة البيع فى اعتبار الأجل فى الشهور. ثم قال: "ولابد فى الكتابة من العقد المشتمل على الإيجاب مثل كاتبتك على أن تؤدى إلى كذا فى وقت كذا إن اتحد الأجل أو أوقات كذا إن تعدد الأجل". ثم قال(95): "والأقرب اشتراط الأجل فى الكتابة مطلقا بناء على أن العبد لا يملك شيئا فعجزه حال العقد عن العوض حاصل، ووقت الحصول متوقع مجهول فلابد من تأجيله بوقت يمكن فيه حصوله عادة". ثم قال: "وقيل: لا يشترط الأجل مطلقا للأصل ولإطلاق الأمر بها خصوصا على القول بكونها بيعا".
مذهب الإباضية:
يرون كغيرهم، كما فى النيل وشرحه، جواز تأجيل الثمن فى البيع إذ يقولون(96): يفسد كل بيع لأجل غير منضبط لا منضبط. ويقولون بوجوب الأجل فى السلم فقد نصوا عند ذكرهم شروط السلم(97) على أنه بوزن وعيار وأجل... يوفى فيه ما فيه السلم. ونقل عن أحد فقهائهم: إن علة الأجل حصول مصلحتين إحداهما للبائع وهو دفع قليل ليأخذ أكثر منه، والثانية للمشترى وهى الانتفاع بالثمن فى أجله. ويمنعونه فى الربويات على طريقتهم ويستدلون بحديث يروونه عن زيد بن أرقم والبراء بن عازب: "إن الصرف يد بيد وأما بالنسيئة فلا(98)". وبما رواه جابر بن زيد عن طلحة بن عبيد الله أنه التمس من رجل صرفا فأخذ طلحة الذهب يقلبه بيده وقال: حتى يأتى خازنى من الغابة وعمر بن الخطاب حاضر فقال: والله لا تفترقان حتى يتم الأمر بينكما. وقد عرفوا(99) الصرف بأنه: بيع وإن بلا وزن بشرط التقابض فى المجلس، وهم يمنعون ربا النسيئة على تفصيل لهم فى ذلك(100).
حكم الأجل من ناحية اللزوم وعدمه
واضح أن كل تأجيل مشروع يلتزم به العاقدان إلا أن الفقهاء عدا المالكية يستثنون القرض. ويضيف الأحناف إلى القرض فى عدم التزام الأجل مع ذكره ست مسائل أخرى وإليك البيان.
مذهب الحنفية:
جاء فى التنوير وشرحه(101): لزم تأجيل كل دين إن قبل المدين إلا فى سبع بدلى صرف وسلم، وثمن عند إقالة وفيما بعدها وما أخذ به الشفيع ودين الميت والقرض، غير أن القرض يلزم تأجيله فى أربع مسائل إذا كان محجورا، أو حكم مالكى بلزومه بعد ثبوت أصل الدين عنده، أو أحاله على آخر فأجله المقرض، أو أحال على مدين مؤجل دينه، أو أوصى بأن يقرض فلان من ماله ألف درهم إلى سنة، أو أوصى بتأجيل قرضه إلى زيد سنة، واستخلص أن تأجيل الدين على ثلاثة أوجه: باطل فى بدلى الصرف والسلم، وصحيح غير لازم فى قرض وإقالة وشفيع ودين ميت ولازم فيما عدا ذلك، وأضاف إلى ذلك نقلا عن النهر أن الملحق بالقرض تأجيله باطل ومن إضافات ابن عابدين فى هذا المقام أنه علل عدم اللزوم فى تأجيل بدلى الصرف والسلم باشتراط القبض فى بدلى الصرف فى المجلس واشتراطه فى رأس المال، وهذا يقضى بعدم جواز التأجيل فى بدلى الصرف وفى رأس مال السلم كما نقل ابن عابدين عن القنية: إن المشترى إذا أجل البائع سنة عند الإقالة صحت الإقالة وبطل الأجل ولو تقايلا ثم أجله ينبغى ألا يصح الأجل عند أبى حنيفة فإن الشرط اللاحق بعد العقد ملتحق بأصل العقد عندهم. ونقل عن الجوهرة أنه يجوز تأجيل رأس مال السلم بعد الإقالة لأنه دين لا يجب قبضه فى المجلس كسائر الديون. وقال فى موضوع ما أخذ به الشفيع أنه يشمل ما إذا كان الشراء بثمن مؤجل فإن الأجل لا يثبت فى أخذ الشفيع، ثم صور دين الميت بقوله: لو مات المدين وحل المال فأجل الدائن وارثه لم يصح لأن الدين فى الذمة. ثم قال: وفائدة التأجيل أن يتجر فيؤدى الدين من نماء المال فإذا مات من له الأجل تعين المتروك لقضاء الدين فلا يفيد التأجيل وفى ملتقى الأبحر وشرحه مجمع الأنهر(102): كل دين أجل بأجل معلوم صح تأجيله وإن كان حالا فى الأصل لأن المطالبة حقه فله أن يؤخره سواء كان ثمن مبيع أو غيره تيسيرا على من له عليه. ألا ترى أنه يملك إبراءه مطلقا فكذا مؤقتا ولابد من قبوله ممن عليه الدين فلو لم يقبل بطل التأجيل فيكون حالا ويصح تعليق التأجيل بالشرط. ثم استثنى كصاحب التنوير القرض ونص على أنه لا يصح تأجيله.
وقد صور ابن عابدين تعليق التأجيل بالشرط بقوله(103): فلو قال لمن عليه ألف حالة: إن دفعت إلى غدا خمسماية فالخمسماية الأخرى مؤخرة إلى سنة فهو جائز.
مذهب المالكية:
جاء فى متن خليل وشرح الدردير عليه(104): جاز قضاء قرض بمساو لما فى الذمة قدرا وصفة حل الأجل أم لا.
وعلق الدسوقى على ذلك بكلام يقول فيه: إن الحق فى الأجل فى القرض لمن عليه الدين. وقال(105): إن ثمن المبيع إذا كان عرضا أو طعاما كان الحق فى الأجل لرب الدين، وأما القرض وثمن المبيع إذا كان عينا فالحق فيه لمن عليه الدين إن شاء عجل أو بقى الأجل.
مذهب الشافعية:
جاء فى منهاج الطالبيين وشرحه فى باب القرض(106): " ولو شرطا أجلا فى القرض فلا يعتبر الأجل ويصح العقد وعلق على ذلك عميرة فى حاشيته بقوله: وعندنا لا يلزم التأجيل فى الحال إلا بالإيصاء أو النذر.
مذهب الحنابلة:
يقول ابن قدامة(107): وللمقرض المطالبة ببدله فى الحال لأنه سبب يوجب رد المثل فى المثليات فأوجبه حالا كالإتلاف. ولو أجل القرض لم يتأجل وكان حالا. وكل دين حل أجله لم يصر مؤجلا بتأجيله.
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم الظاهرى(108): من كان له دين حال أو مؤجل فحل فرغب إليه الذى عليه الحق فى أن ينظره أيضا إلى أجل مسمى ففعل أو أنظره كذلك بغير رغبة وأشهد أو لم يشهد لم يلزمه من ذلك شىء، والدين حال ويأخذه به متى شاء، وهو قول أصحابنا.
مذهب الزيدية:
قدمنا عن الزيدية نقلا عن البحر الزخار(109) أنهم يقولون بعدم صحة تأجيل القرض فضلا عن عدم اللزوم.
مذهب الإمامية:
جاء فى كتاب قلائد الدرر(110): إن آية البقرة: ( إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ( كما تدل على جواز تأجيل القرض تدل على لزومه عند اشتراطه. واستدل للزوم بعموم الأمر بالوفاء بالشروط والعقود. وقد استدرك صاحب القلائد على ذلك بقوله: إن الأصحاب أطبقوا على كونه من العقود الجائزة وأنه لو شرط فيه الأجل فلا يلزم لأن الآية ليست ناصة فى ذلك لاحتمال أن يكون الغرض من الكتابة المحافظة على المقدار حذرا من تطرق النسيان وإمكان حمل الرواية على الاستحباب. نعم لو شرط تأجيله فى عقد لازم فالأقوى لزومه.
انتهاء الأجل وسقوطه
واضح أن الأجل ينتهى بانتهاء مدته المتفق عليها بين المتعاقدين دون خلاف فى ذلك فإذا كان البيع بثمن مؤجل انتهى الأجل بانتهاء المدة المضروبة، ومثله فى مدة الإجارة والعارية وأجل القرض وما إلى ذلك. وأما سقوط الأجل فى أثناء المدة فواضح أيضا أنه يسقط باتفاق الدائن والمدين، وبوجود سبب يفسخ العقد الذى بقى عليه الأجل، وهناك اختلاف فى بعض الصور والجزئيات مثل إبطال المدين حقه فى الأجل، ومثل موت أحدهما ومثل الحجر على المدين نبينه فيما يأتى:
إبطال المدين حقه فى الأجل
مذهب الحنفية:
نقل ابن عابدين(111): أنه لو قال المدين أبطلت الأجل أو تركته صار حالا بخلاف برئت من الأجل أو لا حاجة لى فيه، وإذا قضاه قبل الحلول فاستحق المقبوض من القابض أو وجده زيوفا فرده أو وجد فى المبيع عيبا فرده بقضاء عاد الأجل، لا لو اشترى من ديونه شيئا بالدين وقبضه ثم تقايلا البيع ولو كان بهذا الدين المؤجل كفيل.
ثم قال(112) نقلا عن الفنية: إنه لو قضى المديون الدين قبل حلول الأجل فإنه لا يأخذ من المرابحة التى جرت بينهما إلا بقدر ما مضى من الأيام.
وفى غمز عيون الأبصار للحموى على الأشباه لابن نجيم(113) يلزم الدائن بقبول الدين المؤجل إذا قضاه المدين قبل حلول الأجل إلا أن يكون فى أخذه ضرر بالدائن فإنه لو لم يأمن مثلا بأن كان بمكة وأعطاه دينه وهو لا يحل إلا بمصر فإنه لا يجبر على أخذه منه.
مذهب المالكية:
يقول الدردير فى الشرح الكبير(114): فإن أراد المقترض رد القرض له به قبل أجله لزم المقرض قبوله، لأن الأجل حق لمن هو عليه ولو كان غير عين، ولا يلزم ربه بقبوله فى غير محله إن كان غير عين- أى النقد ونحوه- لما فيه من الكلفة " أمل العين فيلزم ربها أخذها بغير محلها لخفة حملها إلا لخوف أو احتاج إلى كبير حمل، ومثل العين الجواهر النفيسة الخفيفة.
مذهب الشافعية:
قال الشافعى فى الأم(115) فى باب السلم: فإن دعا المدين الدائن إلى أخذ حقه قبل محله، وكان حقه ذهبا أو فضة أو نحاسا أو تبرا أو عرضا غير مأكول ولا مشروب ولا ذى روح يحتاج إلى العلف والنفقة جبر على أخذ حقه منه إلا أن يبرئه لأنه قد جاءه بحقه وزيادة تعجيله قبل محله. ثم قال: ولست انظر فى هذا إلى تغير قيمته فإن كان يكون فى وقته أكثر قيمة أو أقل قلت للذى له الحق إن شئت حبسته وقد يكون فى وقت أجله أكثر قيمة منه حين يدفعه أو أقل.
وجاء فى شرح المنهاج(116): إن أداء القرض كأداء المسلم فيه صنفا وزمنا ومحلا. وعلق الشبراملسى على ذلك بقوله: إن المراد من تشبيهه به فى الزمان ما ذكروه من أنه إذا أحضر المقترض ما فى ذمته من دين فى زمن النهب لا يجب عليه قبوله، كما أن المسلم فيه إذا أحضره المسلم إليه قبل محله لا يلزمه القبول وإن أحضره فى زمن الأمن وجب قبوله فالمراد من التشبيه مجرد أن القرض قد يجب قبوله إذا أتى به للمقرض وقد لا يجب.
مذهب الحنابلة:
يقول ابن قدامة(117) فى باب السلم: "إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه قبل محله ينظر فيه إن كان فى قبضه قبل محله ضرر لكونه يتغير كالفاكهة، أو كان قديمه دون حديثه كالحبوب لم يلزم المسلم قبوله لأن له غرضا فى تأخيره بأن يحتاج إلى أكله أو إطعامه فى ذلك الوقت، وكذلك الحيوان لأنه لا يأمن تلفه فيحتاج إلى الإنفاق عليه إلى ذلك الوقت وربما يحتاج إليه فى ذلك الوقت دون ما قبله، وهكذا إن كان مما يحتاج فى حفظه إلى مؤنة كالقطن ونحوه أو كان الوقت مخوفا يخشى نهب ما يقبضه فلا يلزمه الأخذ فى هذه الأحوال كلها لأن عليه ضررا فى قبضه ولم يأت محل استحقاقه له فجرى مجرى نقص صفة فيه وإن كان مما لا ضرر فى قبضه بأن يكون لا يتغير كالحديد والرصاص والنحاس فإنه يستوى قديمه وحديثه ونحو ذلك الزيت والعسل ولا فى قبضه ضرر لخوف ولا تحمل مؤنة فعليه قبضه لأن غرضه حاصل مع زيادة تعجل المنفعة فجرى مجرى زيادة الصفة وتعجيل الدين المؤجل".
وهذا صريح فى أن من حق المدين إبطال حقه فى الأجل وأن على الدائن أن يقبل التعجيل إذا لم يكن فيه ضرر عليه.
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم الظاهرى(118): إن أراد الذى عليه الدين المؤجل أن يعجله قبل أجله بما قل أو كثر لم يجبر الذى له الحق على قبوله أصلا، وكذا لو أراد الذى له الحق أن يتعجل قبض دينه قبل أجله بما قل أو كثر لم يجز أن يجبر الذى عليه الحق علي أدائه سواء فى ذلك الدنانير والدراهم والطعام كله والعروض كلها والحيوان فلو تراضيا على تعجيل الدين أو بعضه قبل حلول أجله أو على تأخيره بعد حلول أجله أو بعضه جاز ذلك وهو قول أبى سليمان وأصحابنا واستدل على ذلك بأن شرط الأجل قد صح بالقرآن والسنة فلا يجوز إبطال ما صححه الله تعالى. وقال فى موضوع الكتابة(119): وإذا كانت الكتابة نجمين فصاعدا أو لأجل فأراد العبد تعجيلها كلها أو تعجيل بعضها قبل أجله لم يلزم السيد قبول ذلك ولا عتق العبد وهى إلى أجلها وكل نجم منها إلى أجله لقوله تعالى: ( يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ((120) ولقول النبى صلى الله عليه وسلم: " المسلمون عند شروطهم ".
مذهب الزيدية:
يقول صاحب البحر الزخار(121): يجب قبض كل معجل مساو للدين أو زائد فى الصفة لإلزام عمر امرأة كاتبت عبدا قبول تعجيل العبد قبل النجوم ولم يخالفه أحد إلا مع خوف ضرر أو غرامة، وقد نقل الحادثة صاحب جواهر الأخبار فى حاشيته على البحر فقال(122): روى أن امرأة كاتبت عبدا لها على ثلاثين ألف درهم منجمة فأتى العبد بالمال صبة واحدة فأبت المرأة أن تقبض المال إلا فى النجوم التى اشترطتها، فجاء العبد إلى عمر فقال له: هات المال. فصبه العبد كاملا، فوضعه عمر فى بيت المال وأطلق العبد من الرق وأرسل إلى المرأة أن مالها قد صار فى بيت المال تأخذه فى أى وقت شاءت. فقال: إن فى الحديث رواية أخرى تفيد أن الحادثة مع أنس بن مالك.
ونقل صاحب البحر فى باب السلم(123) عن الهادى أنه يجوز قبول ما يحمل لتبرأ ذمة المعجل فإن امتنع فوجهان: قيل: يجبره الحاكم إذ هو حق عليه، وقيل: لا بل يقبضه إلى بيت المال حتى يقبله لفعل عمر ذلك، وقد نسب هذا إلى بعض أصحاب الشافعى وقال: إنه قوى.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية(124): " البائع بتأخير يجب قبض الثمن لو دفعه إلى البائع مع الحلول مطلقا وفى الأجل أى بعده لا قبله لأنه غير مستحق حينئذ وجاز تعلق غرض البائع بتأخير القبض إلى الأجل فإن الأغراض لا تنضبط.
موت أحد المتداينين والحجر على المدين
يرى الأحناف أن الأجل يسقط بموت المدين. قال الكاسانى(125): لو مات المسلم إليه قبل الأجل حل الدين، وكذا كل دين مؤجل سواه إذا مات من عليه الدين والأصل فى هذا أن موت من عليه الدين يبطل الأجل، وموت من له الدين لا يبطل لأن الأجل حق المدين لا حق صاحب الدين فتعتبر حياته وموته فى الأجل و بطلانه. وفى الأشباه والنظائر لابن نجيم(126): إن الأجل يحل بموت المدين ولو حكما باللحاق مرتدا بدار الحرب ولا يحل بموت الدائن ويسقط أيضا عندهم بتنازل المدين عن الأجل المضروب باعتباره صاحب الحق فيه ما لم يكن فى ذلك ضرر بالدائن على ما بينا فى موضوع إبطال المدين حقه فى الأجل.
مذهب المالكية:
جاء فى متن خليل والشرح الكبير وحاشية الدسوقى عليهما(127): وحل بموت المدين ما أجل عليه من الدين لخراب ذمته ما لم يشترط المدين عدم حلوله به وما لم يقتل الدائن المدين عمدا فلا يحل كما لا يحل بموت رب الدين ولو كان الدين دين كراء لدار أو دابة أو عبد فإنه يحل بموت المكترى وقال الدسوقى: إنه لو طلب بعض الغرماء بقاء دينه مؤجلا لم يجب لذلك لأن للمدين حقا فى تخفيف ذمته بحكم الشرع أما لو طلب جميع الغرماء بقاء ديونهم مؤجلة كان لهم ذلك. ثم قال: إن ذلك هو المشهور من المذهب، ومقابله أن الدين المؤجل لا يحل بالموت كما لا يحل بالفلس. وانتهى بقوله: فالدين إنما يحل بموت من عليه الدين لا بموت من له الدين.
مذهب الشافعية:
قال الشافعى(128): إذا مات الرجل وله على الناس ديون إلى أجل فهى إلى أجلها لا تحل بموته، ولو كانت الديون على الميت إلى أجل فلم أعلم مخالفا حفظت عنه ممن لقيت بأنها حالة يتحاص فيها الغرماء ويمكن أن يستدل بهذا بما جاء فى "الأم" أيضا: لما كان غرماء الميت أحق بماله فى حياته كانوا أحق بماله بعد وفاته من ورثته، فلو تركنا ديونهم إلى حلولها كما ندعها فى الحياة كنا منعنا الميت أن تبرأ ذمته ومنعنا الوارث أن يأخذ الفضل عن دين غريم أبيه. وجاء فيها: ولعل من حجتهم أن يقولوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه دينه ". قال الشافعى: فلما كان كفنه من رأس ماله دون غرمائه ونفسه معلقة بدينه وكان المال ملكا له أشبه أن يجعل قضاء دينه، لأن نفسه معلقة بدينه ولم يجز أن يكون مال الميت زائلا عنه فلا يصير إلى غرمائه ولا إلى ورثته، وذلك أنه لا يجوز أن يأخذه ورثته دون غرمائه، ولو وقف إلى قضاء دينه علق روحه بدينه وكان ماله معرضا أن يهلك فلا يؤدى عن ذمته ولا يكون لورثته فلم يكن فيه منزلة أولى من أن يحل دينه ثم يعطى ما بقى ورثته.
مذهب الحنابلة:
ينص الحنابلة(129) على أن من مات وعليه ديون مؤجلة ففى حلولها بالموت روايتان: إحداهما لا تحل إذا وثقها الورثة وهو قول ابن سيرين. والرواية الأخرى أنه يحل بالموت وبه قال الشعبى والنخعى لأنه لا يخلو أما أن يبقى فى ذمة الميت أو الورثة أو يتعلق بالمال لا يجوز بقاؤه فى ذمة الميت لخرابها وتعذر مطالبته بها، ولا ذمة الورثة لأنهم لم يلتزموها ولا رضى صاحب الدين بذممهم وهى مختلفة متباينة ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله لأنه ضرر بالميت وصاحب الدين ولا نفع للورثة فيه. أما الميت فلحديث: " الميت مرتهن بدينه حتى يقضى عنه " وأما صاحبه فيتأخر حقه وقد تتلف العين فيسقط حقه، وأما الورثة فإنهم لا ينتفعون بالأعيان ولا يتصرفون فيها وإن حصلت لهم منفعة فلا يسقط حظ الميت وصاحب الدين لمنفعة لهم.
وقد اختار الخرقى الرواية الأولى ووافقه على ذلك ابن قدامة مستدلا بقوله: ولنا أن الموت لا يوجب حلول ما عليه إذ الموت ما جعل مبطلا للحقوق إنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: " من ترك حقا أو مالا فلورثته "، فعلى هذا يبقى الدين فى ذمة الميت كما كان ويتعلق بعين ماله كتعلق حق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه فإن أحب الورثة أداء الدين والتزامه للغريم ويتصرفون فى المال لم يكن لهم ذلك إلا أن يرضى الغرماء أو يوثق الحق بضمين ملىء أو رهن يثق به - الغريم- لوفاء حقه. وذكر القاضى أن الحق ينتقل إلى ذمم الورثة بموت مورثهم من غير أن يشترط التزامهم له ولا ينبغى أن يلزم الإنسان دين لم يلتزمه ولم يتعاط سببه ولو لزمهم ذلك لموت مورثهم للزمهم وإن لم يخلف وفاء.
ثم قال: وإن مات مفلس وله غرماء بعض ديونهم مؤجلة وبعضها حالة وقلنا: المؤجل يحل بالموت تساووا فى التركة فاقتسموها على قدر ديونهم وإن قلنا لا يحل بالموت نظرنا. فإن وثق الورثة لصاحب المؤجل اختص أصحاب الحال بالتركة، وإن امتنع الورثة من التوثيق حل دينه وشارك أصحاب الحال كى لا يفضى إلى إسقاط دينه بالكلية.
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم الظاهرى(130): وكل من مات وله ديون على الناس مؤجلة أو للناس عليه ديون مؤجلة فكل ذلك سواء، وقد بطلت الآجال كلها وصار كل ما عليه من دين حالا سواء فى ذلك كله القرض والبيع وغير ذلك. واستدل على ذلك بقوله تعالى: ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ((131) وقوله عليه الصلاة والسلام: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام "، وقوله تعالى: ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ((132) فصح أن بموت الإنسان بطل حكمه عن ماله وانتقل إلى ملك الغرماء والموصى لهم ووجوه الوصايا والورثة ورغبة الغرماء فى تأجيل ما عليهم أو تأجيل ما على الميت إنما كان بلا شك بينهم دين المتوفى إذ كان حيا وقد انتقل الآن المال عن ملكه إلى ملك غيره فلا يجوز كسب الميت عليهم فيما قد سقط ملكه عنه ولا يحل للغرماء شىء من مال الورثة والموصى لهم والوصية بغير طيب أنفسهم فبطل حكم التأجيل فى ذلك ووجب للورثة وللوصية أخذ حقوقهم وكذلك لا يحل للورثة إمساك مال غريم متهم إلا بطيب نفسه لأن عقده إنما كان مع المتوفى إذ كان حيا فلا يلزمه أن يبقى ماله بأيدى ورثته لم يعاملهم قط ولا يحل لهم إمساك مال الذى له الحق عنه والله تعالى لم يجعل لهم حقا ولا للوصية إلا بعد إنصاف أصحاب الديون. وروى بسنده إلى الشعبى والنخعى أنهما قالا: من كان له الدين إلى أجل فإذا مات فقد حل كما روى عن الحسن البصرى أنه كان يرى الدين حالا إذا مات وعليه دين.
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار(133) نقلا عن القاسم والناصر والمؤيد بالله من أئمتهم أنه لا يحل الدين المؤجل بموت من هو عليه الدين، إذ هو حق له فصار لوارثه وينتقل إلى ذمة الوارث بدليل جواز القضاء من ماله.
مذهب الإمامية:
جاء فى قلائد الدرر(134) أن الحسن بن سعيد سأل شيخه عن رجل أقرض رجلا دراهم إلى أجل مسمى ثم مات المقترض، أيحل مال القارض عند موت المستقرض منه أو للورثة من الأجل ما للمستقرض فى حياته؟ فقال: إذا مات فقد حل مال القارض.
وفى الروضة البهية(135): وتحل الديون المؤجلة إذا مات المديون سواء فى ذلك مال السلم والجناية المؤجلة وغيرهما للعموم ولا تحل الديون المؤجلة بموت الدائن للأصل خرج منه موت المديون فيبقى الباقى. وقيل: يحل استنادا إلى رواية مرسلة وبالقياس على موت المدين وهو باطل.
سقوط الأجل بالحجر
مذهب الحنفية:
أما الحجر على المدين فإنه لا يسقط الأجل عندهم كما جاء فى الفتاوى الهندية(136) ويقول ابن نجيم(137): إن ظاهر كلام الأحناف أن الجنون لا يوجب حلول الدين لإمكان التحصيل بوليه.
مذهب المالكية:
جاء فى المدونة(138): سأل سحنون أستاذه عبد الرحمن بن القاسم عن المفلس إذا كانت عليه ديون إلى أجل، وديون قد حلت ففلسه الذين قد حلت ديونهم، أيكون للذين لم تحل ديونهم أن يدخلوا فى قول مالك؟ قال: نعم ولكن ما كان للمفلس من دين إلى أجل على الناس فهو إلى أجله. قلت أرأيت المفلس إذا كانت عليه ديون للناس إلى أجل أتحل إذا فلس فى قول مالك؟ قال: إذا فلس فقد حلت ديونهم عند مالك. ونقل عن ابن وهب أن مالكا قال: من مات أو فلس فقد حل دينه، وإن كان إلى أجل.
مذهب الشافعية:
قال الشافعى(139): إذا أفلس الرجل وعليه ديون إلى أجل فقد ذهب غير واحد من المفتين ممن حفظت عنهم إلى أن ديونه التى إلى أجل حالة حلول دين الميت، واستدل لذلك بأن مال المفلس وقف كوقف مال الميت وحيل وبينه وبين أن يقضى من شاء. ثم قال: وقد يحتمل أن يباع لمن حل دينه ويؤخر الذين ديونهم متأخرة لأنه غير ميت فإنه قد يملك والميت لا يملك.
وفى المنهاج وشرحه(140): ولا حجر بالدين المؤجل لأنه لا مطالبة فى الحال وإذا حجر بحال لم يحل المؤجل فى الأظهر والثانى يحل بالحجر كالموت بجامع تعلق الدين بالمال، وفرق صاحب الرأى الأول بخراب الذمة بالموت دون الحجر وعلق على ذلك قليوبى فى حاشيته بقوله: لا يجوز الحجر بالدين المؤجل مستقلا ولا يحسب من الدين من الذى يؤدى من المال ولا يطالب صاحبه، ولا يشارك عند القسمة فإن حل قبلها شارك صاحبه الغرماء كما فى شرح الروض، وقال عميرة فى حلول المؤجل بالجنون قولان: ونقل عن النووى أن المشهور الحلول.
مذهب الحنابلة:
يقول الخرقى(141): إذا كان على المفلس دين مؤجل لم يحل بالتفليس. ويعلق على ذلك ابن قدامة بقوله: إن الدين المؤجل لا يحل بفلس من هو عليه رواية واحدة، قال القاضى: وذكر أبو الخطاب فيه رواية أخرى أنه يحل. ووجه ذلك أن الأجل حق للمفلس فلا يسقط بفلسه كسائر حقوقه ولأنه لا يوجب حلول ماله فلا يوجب حلول ما عليه كالجنون والإغماء ولأنه دين مؤجل على حى فلا يحل قبل أجله كغير المفلس. فإذا حجر على المفلس. قال أصحابنا: لا يشارك أصحاب الديون المؤجلة غرماء الديون الحالة بل يقسم المال الموجود بين أصحاب الديون الحالة ويبقى المؤجل فى الذمة إلى وقت حلوله. ثم قال: وإن قلنا أن الدين يحل فإنه يضرب مع الغرماء بدينه كغيره من أرباب الديون الحالة.
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم(142): ويقسم مال المفلس الذى يوجد له بين الغرماء بالحصص على الحاضرين الطالبين الذين حلت آجال حقوقهم فقط، ولا يدخل فيهم حاضر لا يطلب ولاغائب لم يوكل ولا حاضر أو غائب لم يحل أجل حقه طلب أو لم يطلب لأن من لم يحل أجل حقه فلا حق له بعده "
مذهب الزيدية:
جاء فى البحر الزخار فى موضوع الحجر على المدين(143): قيل: لا يحجر فى دين مؤجل حتى يحل كما ليس له طلب الكفيل والرهن والحجر توثيق مثل الكفيل والرهن. وقال أبو جعفر: ذو الدين المؤجل كمن لا دين له. ثم قال: يصح الحجر لكل دين نقد أو غيره ويدخل فيه المؤجل تبعا للحال. ثم قال: والمذهب لا يحل به المؤجل لأنه لا وجه لسقوط الأجل لكن إذا انقسم المال ترك قسط المؤجل. وقيل: لا بل يستغرقه ذو الحال. ورد ذلك بأن الحق المؤجل تعلق بذمته، فاستووا.
مذهب الإمامية:
جاء فى الروضة البهية(144): ولا تحل الديون المؤجلة بحجر المفلس عملا بالأصل خلافا لابن الجنيدى رحمه الله حيث زعم أنها تحل قياسا على الميت وهو باطل مع وجود الفارق بتضرر الورثة إن منعوا من التصرف إلى أن يحل وصاحب الدين إن لم يمنعوا بخلاف المفلس لبقاء ذمته.
الاعتياض عن الأجل
أجمع فقهاء المسلمين على أن مد الأجل الدين حال أو مؤجل نظير مال حرام ويعد من ربا النسيئة. (انظر: ربا)
مذهب الحنفية:
جاء فى باب الصلح(145): "لا يصح الصلح عن ألف مؤجل عليه نصفه حالا إلا فى صلح المولى مكاتبه فيجوز، ويعلل ابن عابدين عدم الجواز بأنه اعتياض عن الأجل وهو حرام، وعلل الجواز فى المكاتب بأن معنى الإرفاق فيما بينهما أظهر من معنى المعارضة فلا يكون هذا مقابلة الأجل ببعض المال ولكنه إرفاق من المولى يحط بعض المال ومساهلة من المكاتب فيما بقى قبل حلول الأجل ليتوصل إلى شرف الحرية.
مذهب المالكية:
جاء فى "المدونة"(146) ما يدل على منع البيع الذى يدخله ضع عنى وتعجل. وقد ذكر سحنون فيها صورا كثيرة من أوضحها أنه سأل ابن القاسم فقال: لو أنى أقرضت رجلا مائة أردب من الحنطة إلى سنة فجئته قبل الأجل فقلت له: أعطنى خمسين وأضع عنك الخمسين. أيصلح هذا أم لا؟ قال: قال مالك لا يصح هذا لأنه يدخله ضع عنى وتعجل والقرض فى هذا والبيع سواء. ونقل ابن القاسم وابن وهب عن مالك بسنده إلى مولى السفاح أنه أخبره أنه باع بزا من أصحاب دار بجلة إلى أجل ثم أراد الخروج فسألوه أن ينقدوه ويضع عنهم فسأل زيد بن ثابت عن ذلك فقال: لا آمرك أن تأكل ذلك ولا تؤكله، وذكر عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا ينهون عنه.
مذهب الشافعية:
نص الشافعية على عدم صحة الصلح فى الدين المؤجل على تعجيل بعضه وترك الباقى كما لو صالح من عشرة مؤجلة على خمسة حالة فإنه لا يصح لأنه جعل ترك الخمسة المتروكة فى مقابلة تعجيل الخمسة(147).
مذهب الحنابلة:
جاء فى "المغنى" إذا كان عليه دين مؤجل فقال لغريمه: ضع عنى بعضه وأعجل لك بقيته لم يجز. وروى عن أبى عباس أنه لم ير به بأسا، وروى ذلك عن النخعى وأبى ثور لأنه آخذ لبعض حقه تارك لبعضه فجاز كما لو كان الدين حالا(148).
مذهب الظاهرية:
يقول ابن حزم(149) يجوز تعجيل بعض الدين المؤجل على أن يبرئه من الباقى فإن وقع رد وصرف إلى الغريم ما أعطى.
مذهب الزيدية:
يقول صاحب الزخار(150): لو قال عجل لى وأنا أحط عنك كذا، ففعل من غير شرط فى العقد صح إجماعا، إذ لا مانع ولا يصح مع الشرط إذ يقتضى بيع الأجل، ونقل عن الهادى وأبى طالب أنه لا يصح مع الشرط وعن العباس والمؤيد بالله والإمام يحيى أنه يصح مع الشرط إذ الحط يلحق العقد وإذا جاز منفردا جاز مشروطا. وقال صاحب البحر أنه الأقرب إذ الشرط لا يقتضى الربا ولا يشبهه وذكر خلافا فيما إذا كان الدين فى غير السلم، ورجح أنه يصح، ثم قال: فأما الزيادة فى الحق ليزيد فى الأجل فمحرمة إجماعا لأنه ربا الجاهلية.
وقال صاحب البحر فى باب الكتابة(151): فإن عجل البعض بشرط إسقاط الباقى فمذهب أبى طالب وبعض الفقهاء أنه لا يصح لشبهه بربا الجاهلية حيث كانوا عند حلول الأجل يطلبون القضاء أو زيادة لأجل المهلة، وقال المؤيد بالله وبعض الفقهاء: يجوز استحسانا، وقال صاحب البحر: إنه الأقرب للمذهب وليس بربا.
مذهب الإمامية:
يقول صاحب الروضة(152): ولو جعل لحال ثمنا ولمؤجل أزيد منه، أو فاوت بين أجلين فى الثمن بأن قال: بعتك حالا بمائة ومؤجلا إلى شهرين بمائتين أو مؤجلا إلى شهر بمائة، أو شهرين بمائتين بطل لجهالة الثمن. وفى المسألة قول ضعيف بلزوم أقل الثمنين إلى أبعد الأجلين.
مدة الأجل:
مدة الأجل فيما لا حظر فيه تختلف باختلاف موضوعها كالسلم وخيار الشرط والكتابة والإجارة ومثل آجال العدة ومدة الحمل وغير ذلك مما يتبين فى مواضعه من المصطلحات المناسبة كمصطلح عدة وحمل ومرتد ومفقود وخيار شرط، وخيار التعيين والسلم والكتابة والإجارة فيرجع فى بيان أحكامه إلى هذه المصطلحات.

__________

(1) سورة الطلاق: 4.
(2) سورة البقرة: 282.
(3) ج5 ص83 مطبوعة مع فتح القدير طبع مصطفى محمد.
(4) بهامش الفتح والهداية المرجع السابق.
(5) فتح القدير على الهداية المرجع السابق الموضع نفسه.
(6) بدائع الصنائع ج4 ص181.
(7) مطبوع على حاشية ابن عابدين ج4 ص27.
(8) حاشية ابن عابدين ج4 ص24. طبع المطبعة الكبرى الأميرية بمصر سنة 1325 هجرية ، الطبعة الثانية.
(9) المرجع السابق ج4 ص131.
(10) المرجع السابق ج4 ص26.
(11) فتح القدير على الهداية ج5 ص336.
(12) متن خليل والشرح الكبير مع حاشية الدسوقى ج3 ص206 المطبعة الأزهرية بمصر سنة 1345 هجرية .
(13) المرجع السابق ج3 ص307.
(14) المرجع السابق ج4 ص44 باب الإجارة.
(15) المرجع السابق ج4 ص45.
(16) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ج2 ص206 سنة 1325 هجرية ، المطبعة الأزهرية.
(17) الأم ج3 ص84 طبع المطبعة الأميرية.
(18) ج4 ص186 مطبعة الحلبى سنة 1357 هجرية .
(19) ج4 ص186 طبع الحلبى سنة 1357 هجرية .
(20) قليوبى وعميرة ج2 ص247 طبع الحلبى سنة 1353 هجرية .
(21) المرجع السابق.
(22) الأم ج3 ص84 المطبعة الأميرية.
(23) سورة البقرة: 189.
(24) ج4 ص187.
(25) المغنى ج4 ص290 طبعة المنار.
(26) المغنى ج4 ص291.
(27) سورة التوبة: 36.
(28) المغنى ج4 ص292.
(29) سورة البقرة: 189.
(30) المغنى ج5 ص399.
(31) المحلى ج8 ص516.
(32) المرجع السابق ج8 ص516.
(33) المحلى ج8 ص515 مسألة 1464.
(34) المرجع السابق ج8 ص518.
(35) ج2 ص401.
(36) الروضة البهية ج1 ص333 طبع دار الكتاب العربى بالقاهرة.
(37) المرجع السابق ج1 ص315.
(38) ج4 ص77.
(39) ج4 ص25 الطبعة السابقة.
(40) المرجع السابق ج4 ص233.
(41) فتح القدير على الهداية ج5 ص251 طبع مصطفى محمد بالقاهرة.
(42) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير ج3 ص189، 191.
(43) المرجع السابق ج2 ص191.
(44) المرجع السابق ج2 ص191,.
(45) ج4 ص156 ، طبع مصطفى البابى الحلبى بمصر سنة 1357 هجرية .
(46) المرجع السابق ج4 ص158 ومثله بإيجاز فى شرح الجلال المحلى مع حاشيتى القليوبى وعميرة ج2 ص239.
(47) المغنى ج4 ص196 طبع المنار.
(48) المرجع السابق ج4 ص312.
(49) البحر الزخار ج3 ص410.
(50) ج4 ص323.
(51) شرح النيل ج5 ص193، 194.
(52) فتح القدير ج5 ص83 فما بعدها طبع مصطفى محمد.
(53) سورة البقرة: 275.
(54) حاشية ابن عابدين ج4 ص187.
(55) مطبوع بهامش حاشية ابن عابدين ج5 ص66.
(56) الفتح ج5 ص335 طبع مصطفى محمد.
(57) الفتح ج5 ص369.
(58) المدونة ج9 ص117 طبعة الساسى.
(59) حاشية الدسوقى ج3 ص227.
(60) مطبوع مع حاشية الدسوقى ج3 ص206.
(61) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقى ج4 ص389.
(62) المرجع السابق ج3 ص28.
(63) ج3 ص29.
(64) ج2 ص168 طبعة الحلبى.
(65) نهاية المحتاج على المنهاج ج4 ص96.
(66) المرجع السابق ج4 ص178.
(67) ج3 ص45 طبع مصطفى البابى الحلبى بمصر سنة 1345 هجرية .
(68) ج8 ص380.
(69) المرجع السابق ج8 ص383.
(70) نهاية المحتاج ج3 ص410.
(71) المغنى ج3 ص593.
(72) المغنى ج4 ص289.
(73) المغنى ج9 ص417.
(74) المغنى ج4 ص2.
(75) المرجع السابق ج4 ص9.
(76) المحلى ج8 ص 516 مسألة 1464.
(77) المحلى ج8 ص 90 مسألة 1190.
(78) المحلى ج8 ص 93 مسألة 1196.
(79) المحلى ج8 ص 574 مسألة 1487.
(80) المحلى ج9 ص 294 مسألة 1692.
(81) المحلى ج9 ص 129 مسألة 1612.
(82) المحلى ج8 ص568 مسألة 1483.
(83) المحلى ج8 ص 569 مسألة 1484.
(84) المحلى ج9 ص 572 مسألة 1485.
(85) ج3 ص323.
(86) ج3 ص397.
(87) البحر الزخار ج3 ص334.
(88) البحر الزخار ج3 ص386.
(89) البحر الزخار ج3 ص399.
(90) ص112.
(91) ج2 ص255.
(92) ج2 ص257.
(93) ص134.
(94) ج2 ص206.
(95) ج2 ص207.
(96) النيل وشرحه ج4 ص77.
(97) النيل وشرحه ج4 ص356.
(98) النيل وشرحه ج4 ص 338.
(99) النيل وشرحه ج4 ص 341.
(100) النيل وشرحه ج4 ص330.
(101) مطبوع بهامش حاشية ابن عابدين ج4 ص 187.
(102) ج2 ص82 طبع الأستانة سنة 1327 هجرية .
(103) حاشية ابن عابدين ج4 ص187.
(104) مطبوع بهامش حاشية الدسوقى ج3 ص43.
(105) المرجع السابق ص44.
(106) مطبوع بهامش حاشيتى قليوبى وعميرة ج2 ص260.
(107) المغنى ج4 ص315 طبع المنار.
(108) المحلى ج8 ص98 طبع مطبعة الإمام.
(109) البحر ج3 ص296.
(110) قلائد الدرر ج2 ص255.
(111) حاشية ابن عابدين ج4 ص187.
(112) المرجع السابق ص189.
(113) ج2 ص48 طبع القاهرة سنة 1290 هجرية .
(114) مطبوع بهامش حاشية الدسوقى ج3 ص227.
(115) الأم ج3 ص121 الطبعة الأميرية بالقاهرة.
(116) ج4 ص224.
(117) المغنى ج4 ص306.
(118) المحلى ج8 ص94 المسألة 1200 مطبعة الإمام بالقاهرة.
(119) ج9 ص299 المسألة 1701.
(120) سورة المائدة: 1.
(121) ج3 ص294.
(122) مطبوع مع البحر ج3 ص394.
(123) ج3 ص401.
(124) ج1 ص334.
(125) بدائع الصنائع ج5 ص213 ومثله فى الدر للحصفكى مطبوع بهامش ابن عابدين ج4 ص25، وفى مجمع الأنهر على ملتقى الأبحر ج2 ص8، وفى درر الحكام وشرحه غرر الأحكام ج2 ص146.
(126) ج2 ص212 طبع القاهرة سنة 1290 هجرية .
(127) ج3 ص266.
(128) الأم ج3 ص188 طبع بولاق.
(129) المغنى ج4 ص435 مطبعة المنار.
(130) المحلى ج8 ص99 وكذا ص202 مطبعة الإمام.
(131) سورة الأنعام: 164.
(132) سورة النساء: 11.
(133) ج3 ص396.
(134) ج2 ص255.
(135) ج1 ص344.
(136) ج5 ص64 طبع بولاق سنة 1320 هجرية .
(137) الأشباه والنظائر ج2 ص312.
(138) المدونة برواية سحنون ج13 ص85.
(139) الأم ج3 ص188 المطبعة الأميرية.
(140) مطبوع بهامش حاشيتى قليوبى وعميرة ج3 ص285.
(141) المغنى ج4 ص345 مطبعة المنار.
(142) المحلى ج8 ص202 المسألة 1280.
(143) ج5 ص91.
(144) ج1 ص343.
(145) ابن عابدين ج4 ص527، وفتح القدير ج7 ص42.
(146) ج9 ص123 فما بعدها.
(147) نهاية المحتاج ج4 ص374.
(148) المغنى ج4 ص174، 175.
(149) المحلى ج8 ص97 مسألة 1204.
(150) ج3 ص409.
(151) المرجع السابق ج4 ص219.
(152) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية ج1 ص333.
(1/72)
إجماع (أ)

معنى الإجماع فى اللغة
جاء فى لسان العرب: " جمع الشىء عن تفرقة ، يجمعه جمعا، وجمعه، وأجمعه، فاجتمع. والمجموع الذى جمع من ههنا وههنا وأن لم يجعل كالشىء الواحد.
والجمع أيضا: المجتمعون، ومثله الجميع.
ويقال: جمع أمره، وأجمعه، وأجمع عليه، أى عزم عليه كأنه يجمع نفسه له. ويقال أيضا: أجمع أمرك ولا تدعه منتشرا.
ومنه قوله تعالى " فأجمعوا أمركم " (1).
وقولهم: " أجمع أمره ": معناه: جعله جميعا بعد ما كان متفرقا، وتفرقه أنه جعل يديره، فيقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر محكم أجمعه، أى جعله جميعا.
وفى الحديث: " من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له ".
ولم يجىء فى لسان العرب: أجمع القوم على كذا: بمعنى اتفقوا، وكذلك لم يجىء هذا المعنى فى أساس البلاغة ولا فى مختار الصحاح، ولكن صرح به فى كل من القاموس والمصباح والمفردات فى غريب القرآن.
قال فى القاموس: والإجماع الاتفاق، وجعل الأمر جميعا بعد تفرقه، والعزم على الأمر، أجمعت الأمر وعليه.
وقال فى المصباح: وأجمعت المسير والأمر، وأجمعت عليه، يتعدى بنفسه وبالحرف عزمت عليه وفى حديث " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له "، أى من لم يعزم عليه فينويه، وأجمعوا على الأمر:اتفقوا عليه ".
وقال فى مفردات القرآن: " وأجمعت كذا: أكثر ما يقال فيما يكون جمعا يتوصل إليه بالفكرة نحو
" فأجمعوا أمركم وشركاءكم " ونحو " فأجمعوا كيدكم ".
ويقال: " أجمع المسلمون علن كذا: اجتمعت آراؤهم عليه " ويؤخذ من هذا أن الإجماع فى اللغة يطلق تارة بمعنى العزم وتارة بمعنى الاتفاق (2)، فهو لفظ مشترك، وبذلك جزم الغزالى فى المستصفى وهو ينقل المعنى اللغوى للفظ الإجماع (3).
لكن قال ابن برهان، وابن السمعانى: "الأول، أى العزم، أشبه باللغة. والثانى،أى الاتفاق أشبه بالشرع " (4).
وكأنهما يترددان فى أن الاتفاق معنى لغوى أصيل كالعزم، ولا محل لهذا بعد مجيئه فى كتب اللغة التى ذكرناها، على أن بعض اللغويين يعكس فيجعل المعنى اللغوى الأصيل للإجماع هو الاتفاق لأنه من أجمع إذا انضم إليه غيره فصار ذا جمع كما يقال أتمر أى صار ذا تمر، وألبن أى صار ذا لبن، وأبقل المكان أى صار ذا بقل.
نقله الإسنوى فى شرحه عن أبى على الفارسى فى الإيضاح، وذكره الرازى ثم قال: والأظهر من جهة اللغة أن المراد الاتفاق على أمر من الأمور، وجزم به الجلال فى شرحه على الفصول،، إذ قال هو من الاجتماع بمعنى التوافق لا غير (5).
وفى شرح مسلم الثبوت عند الكلام على المعنى اللغوى: " أن الإجماع لغة العزم والاتفاق، وكلاهما من الجمع، فإن العزم فيه جمع الخواطر، والاتفاق فيه جمع الآراء " (6).
معنى الإجماع فى الاصطلاح
الإجماع إما مطلق، وإما مضاف: فالمطلق: هو ما يذكر فيه لفظ الإجماع دون إضافة إلى فريق معين، بأن يذكر مقطوعا عن الإضافة، كما يقال ثبتت الزكاة بالكتاب والسنة والإجماع، أو يذكر مضافا إلى الأمة، أو المسلمين، أو العلماء، أو نحو ذلك مما يفيد عمومه وعدم اختصاصه بفريق دون فريق.
كما يقال: إجماع الأمة منعقد على وجوب الصلوات الخمس على كل مكلف، وإجماع المسلمين قائم على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
والمضاف: هو الذى يذكر فيه اللفظ منسوبا إلى فريق خاص، كما يقال إجماع أهل المدينة، وإجماع عترة الرسول صلى لله عليه وسلم، وإجماع أهل الحرمين، وإجماع الشيخين، وإجماع الخلفاء الراشدين ونحو ذلك. والتعاريف التى يذكرها جمهور علماء المذاهب الأربعة السنية المعروفة ومذهب الإباضية، إنما هى للإجماع بالمعنى المطلق.
أما غير هذه المذاهب الخمسة فلهم اصطلاحات فى الإجماع تختلف عن ذلك اختلافا بعيدا، أو قريبا وهذا هو تفصيل القول بعد إجماله.
معنى الإجماع فى مذاهب السنة
والمذهب الإباضى
عرفه الغزالى فى المستصفى بقوله: "هو اتفاق أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة على أمر من الأمور الدينية " (7).
وهذا التعريف يجعل المجمعين هم الأمة كلها، ويجعل المجمع عليه هو ما كان من الأمور الدينية خاصة، ولذلك اعترض عليه الآمدى فى الأحكام باعتراضين:
أحدهما: أنه يشعر بعدم انعقاد الإجماع إلى يوم القيامة، فإن أمة محمد هم جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، ومن وجد فى بعض الإعصار منهم إنما هم بعض الأمة لا كلها، وليس ذلك- أى كون المجمعين هم جميع الأمة إلى يوم القيامة- مذهبا للغزالى ولا لأى أحد ممن اعترف بوجود الإجماع.
الثانى: أنه يلزم من تقييده الإجماع بالاتفاق على أمر دينى ألا يكون إجماع الأمة على قضية عقلية أو عرفية حجة شرعية، وليس الأمر كذلك (8).
ثم قال الآمدى: " والحق فى ذلك أن يقال: الإجماع عبارة عن اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فى عصر من الأعصار على حكم واقعة من الوقائع.
هذا إن قلنا أن العامى لا يعتبر فى الإجماع، وإلا فالواجب أن يقال: الإجماع عبارة عن اتفاق المكلفين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى آخر الحد المذكور.
فقولنا: " اتفاق " يعم الأقوال والأفعال والسكوت والتقرير.
وقولنا: " جملة أهل الحل والعقد " احتراز عن اتفاق بعضهم وعن اتفاق العامة وقولنا " من أمة محمد صلى الله عليه وسلم " احتراز عن اتفاق أهل الحل والعقد من أرباب الشرائع السابقة.
وقولنا " فى عصر من الأعصار " حتى يندرج فيه إجماع أهل كل عصر، وإلا أوهم ذلك أن الإجماع لا يتم الا باتفاق أهل الحل والعقد فى جميع الأعصار إلى يوم القيامة.
وقولنا " على حكم واقعة " ليعم الإثبات والنفى، والأحكام العقلية والشرعية " (9).
وعرفه النسفى فى شرحه للمنار بقوله:" هو اتفاق علماء كل عصر من أهل العدالة والاجتهاد على حكم " (10)
وهو يعبر بأهل العدالة والاجتهاد بدل تعبير الغزالى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وتعبير الآمدى بجملة أهل الحل والعقد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقد أطلق فيه المجمع عليه فقال " على حكم " ليعم الحكم الشرعى وغيره كما فعال الآمدى.
وعرفه عبد العزيز البخارى فى حاشيته على أصول البزدوى بقوله: " وهو اتفاق المجتهدين من هذه الأمة فى عصر على أمر من الأمور " (11).
وهو شبيه بتعريفه النسفى السابق، غير أنه ذكر "اتفاق المجتهدين " بدل " أهل العدالة والاجتهاد ".
والقرافى يذكر أنه " اتفاق أهل الحل والعقد.. إلى آخره " (12).
ومعروف أن القرافى مالكى المذهب، وأن إمامه ينسب إليه القول بأن إجماع أهل المدينة يكفى ولو خالفهم غيرهم، وسيأتى بيان ذلك وتخريج المالكية له.
ويعرفه موفق الدين ابن قدامة المقدسى الحنبلى فى " روضة الناظر " بقوله: "هو اتفاق علماء العصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من أمور الدين " (13).
وهو شبيه بتعريف الغزالى السابق فى جعله محل الإجماع هو الأمور الدينية، وفسره بعض الحنابلة بقوله: " أى على أمر يتعلق بالدين لذاته أصلا أو فرعا، وهو احتراز عن اتفاق علماء الأمة على أمر دنيوى، كالمصلحة فى إقامة متجر أو حرفة، أو على أمر دينى لكنه لا يتعلق بالدين لذاته، بل بواسطة، كاتفاقهم على بعض مسائل العربية أو اللغة أو الحساب ونحوه، فإن ذلك ليس إجماعا شرعيا أو اصطلاحيا (14)
ويعرفه الشيخ أبو محمد عبد الله بن حميد السالمى الإباضى فى شرحه المسمى بطلعة الشمس على ألفية الأصول، فيقول: " الإجماع فى عرف الأصوليين والفقهاء وعامة المسلمين هو اتفاق علماء الأمة على حكم فى عصر، وقيل: اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم فى عصر على أمر، وزاد بعضهم: ولم يسبقه خلاف مستمر فيخرج علي التعريف الأول عوام الأمة ممن لا علم له، فلا يقدح خلافهم فى انعقاد الإجماع، ويدخلون على التعريف الثانى فيعتبر وفاقهم فى انعقاد الإجماع " (15).
وقيد " عدم سبق الخلاف المستمر "، موضع خلاف بين العلماء سنبينه إن شاء الله فى شروط الإجماع ودخول العوام فى المجمعين أو عدم دخولهم موضع خلاف أيضا، وسيأتى فى الكلام عمن هم أهل الإجماع.
وهناك قيد لابد منه خلت التعاريف السابقة من التقييد به، وتنبه إليه بعض المؤلفين، ومنهم الشوكانى فى إرشاد الفحول، فقد قال فى تعريفه: " هو اتفاق مجتهدى أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته فى عصر من العصور على أمر من الأمور ".
فزاد قوله " بعد وفاته " وقال: إنه خرج به الإجماع فى عصره - صلى الله عليه وآله وسلم-، فإنه لا اعتبار به (16).
وهناك زيادات أخرى يذكرها بعضهم فى تعريف الإجماع، حسب قوله بشرط معين، كالذى يشترط فى حجية الإجماع انقراض عصر المجتهدين المتفقين على ذلك الأمر، فيزيد قيد الانقراض، وكالذى يشترط بلوغ المتفقين حد التواتر فيزيد فى التعريف ما يفيد ذلك.
وقد بين شارح مسلم الثبوت أن التعريف غير محتاج إلى التقييد بكل هذه القيود، فإن منها ما هو شرط للحجية لا دخل له فى الحد (17).
هذه هى آراء جمهور العلماء فى مذاهب السنة الأربعة، ومذهب الإباضية فى تعريف الإجماع اصطلاحا: وإليك أقوال غيرهم:
مذهب الظاهرية فى معنى الإجماع:
يرى الظاهرية أن الإجماع " هو اتفاق الأمة خاصها وعامها على ما علم من الدين بالضرورة، أو اتفاق الصحابة خاصة فيما وراء ذلك".
ويؤخذ هذا من كلام ابن حزم فى كتابه الأحكام، إذ يقول: " أن الإجماع الذى هو الإجماع المتيقن ولا إجماع غيره لا يصح تفسيره ولا ادعاؤه بالدعوى، لكن ينقسم قسمين:
أحدهما: كل ما لا يشك فيه أحد من أهل الإسلام فى أن من لم يقل به فليس مسلما، كشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وكوجوب الصلوات الخمس، وكصوم شهر رمضان وكتحريم الميتة والدم والخنزير، والإقرار بالقرآن، وجملة الزكاة، فهذه أمور من بلغته فلم يقر بها فليس مسلما، فإذ ذلك كذلك ، فكل من قال بها فهو مسلم، فقد صح أنها إجماع من جميع أهل الإسلام.
والقسم الثانى: شىء شهد ه جميع الصحابة رضى الله عنهم من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تيقن أنه عرفه كل من غاب عنه عليه السلام منهم، كفعله فى خيبر، إذ أعطاها يهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر، يخرجهم المسلمون إذا شاءوا، فهذا لا شك عند كل أحد فى أنه لم يبق مسلم فى المدينة إلا شهد الأمر أو وصل إليه.
عرف ذلك الجماعة من النساء والصبيان والضعفاء، ولم يبق بمكة والبلاد النائية مسلم إلا عرفه
وسر به (18).
ويتبين من هذا أن الظاهرية لا يعتبرون اتفاق غير الصحابة فيما وراء أصول الدين المعلومة بالضرورة إجماعا، وهذا أقرب إلى أن يكون بحثا فى الحجية لا بحثا فى مفهوم الإجماع، وسيأتى الكلام فى ذلك إن شاء الله تعالى.
مذهب الزيدية فى معنى الإجماع:
يختلف الزيدية عن الإمامية فى تعريف الإجماع، إذ يرون أنه اتفاق المجتهدين على أحد وجهين:
الوجه الأول: " اتفاق المجتهدين من أمة محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - فى عصر على أمر"، وهذا شامل للعترة وغيرهم.
الوجه الثانى: " اتفاق المجتهدين من عترة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعده فى عصر على أمر "، والمراد بعترة الرسول على وفاطمة والحسنان فى عصرهم، ومن كان منتسبا إلى الحسنين فى كل عصر من قبل الآباء، فلو قام إجماع العترة على أمر وخالفهم غيرهم فلا يعتبر خلافهم ناقضا للإجماع.
وقولهم " من قبل الآباء" يخرج به من كان من قبل الإناث كأولاد سكينة بنت الحسين بن على فإنها تزوجت بمصعب بن الزبير فمن كان من جهتهما فلا يدخل (19).
مذهب الإمامية فى معنى الإجماع:
إن الشيعة الإمامية يعرفون الإجماع بأنه " كل اتفاق يستكشف منه قول المعصوم سواء أكان اتفاق الجميع أو البعض، فلو خلا المائة من الفقهاء من قول المعصوم ما كان حجة ولو حصل فى اثنين كان قولهما حجة (20).
وهذا يفيد أن الإجماع من حيث كونه إجماعا، ليست له قيمة عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم فإذا كشف عن قوله فالحجة فى الحقيقة هو المنكشف، لا الكاشف، فيدخل حينئذ فى السنة، ولا يكون دليلا مستقلا فى مقابلها ومقابل الكتاب، ولذلك يقرر بعضهم أنه إنما عد بين الأدلة تكثيرا لها (21).
مذهب النظام فى معنى الإجماع:
واستكمالا للمذاهب الأصولية فى تعريف الإجماع نورد تعريف النظام المعتزلى له، وهو يقول
" الإجماع عبارة عن كل قول قامت حجته وإن كان قول واحد " (22).
وقد تعقب العلماء هذا التعريف بالإبطال.
فقال الغزالى: " وهو على خلاف اللغة والعرف، لكنه سواه على مذهبه، إذ لم ير الإجماع حجة، وتواتر إليه بالتسامع تحريم مخالفة الإجماع فقال " هو كل قول قامت حجته " (23).
وقال الآمدى " إنه قصد بذلك الجمع بين إنكاره كون إجماع أهل الحل والعقد حجة، وبين موافقته لما اشتهر بين العلماء من تحريم مخالفة الإجماع والنزاع معه فى إطلاق اسم الإجماع على ذلك مع كونه مخالفا للوضع اللغوى والعرف الأصولى آيل إلى اللفظ " (24).
وفى روضة الناظر لابن قدامة المقدسى الحنبلى مثل ذلك (25).
أنواع الإجماع
الإجماع نوعان: أحدهما:
الإجماع القولى، وهو ما فيه اتفاق الأقوال أو تواطؤ الأفعال على شىء واحد وصورته أن ينطق كل واحد من المعتبرين فى الإجماع بأنه يجب كذا، أو يحرم كذا، أو يندب، أو يكره، أو يباح، أو أن يفعل كل واحد من المعتبرين فعلا يواطىء فى ذلك فعل صاحبه، نحو أن يصلوا على الجنازة بأربع تكبيرات لا يزيد بعضهم عليها، ولا ينقص أو يتفقوا على ترك شىء نحو أن يتركوا الأذان فى صلاة العيد أو نحو ذلك فيكون إجماعا على أنه غير واجب فيها.
النوع الثانى- الإجماع السكوتى، وصورته: أن يقول بعضهم قولا، أو يعمل عملا ويسكت الباقون بعد انتشار ذلك القول أو العمل فيهم ومع القدرة على إنكاره، فلا ينكروه بل يسكتون عليه، كما إذا قال بعضهم: صلاة الكسوف مشروعة، فانتشر هذا القول فيهم فلم ينكره أحد منهم، كان إجماعا على شرعيتها فلو قال مثلا: مفروضة، ولم ينكروه ثبت الإجماع على فرضيتها (26).
ولكل من النوعين حكم يخالف حكم الآخر، وسيأتى ذلك إن شاء الله تعالى فى الكلام على حجية كل منهما والنزاع فى اعتبار السكوتى إجماعا.
والحنفية يصفون الإجماع القولى بالعزيمة، والسكوتى بالرخصة.
جاء فى المنار وشرحه، المسمى بنور الأنوار لملاجيون: " ركن الإجماع نوعان: عزيمة وهو التكلم بما يوجب الاتفاق أى اتفاق الكل على الحكم بأن يقولوا أجمعنا على هذا إن كان ذلك الشىء من باب القول، أو شروعهم فى الفعل إن كان من بابه، أى كان ذلك الشىء من باب الفعل، كما إذا شرع أهل الاجتهاد جميعا فى المضاربة أو المزارعة أو الشركة، كان ذلك إجماعا منهم على شرعيتها ورخصة وهو أن يتكلم أو يفعل البعض، دون البعض، أى يتفق بعضهم على قول أو فعل وسكت الباقون منهم ولا يردون عليهم بعد مضى مدة التأمل، وهى ثلاثة أيام، أو مجلس العلم ويسمى هذا إجماعا سكوتيا" (27).
وجاء فى حاشيته للعلامة اللكنوى تعليقا على قوله " عزيمة": أى أصل (28).
والمراد أن التنصيص من كل واحد من المجمعين هو الأصل ولكن لما كان اشتراطه لانعقاد الإجماع يؤدى إلى ألا ينعقد أبدا لتعذر اجتماع أهل العصر على قول يسمع منهم، والمتعذر معفو عنه، والمعتاد فى كل عصر أن يتولى الكبار الفتوى ويسلم سائرهم، لما كان الأمر كذلك كان الانتقال من التنصيص من كل واحد، الذى هو الأصل، إلى الإجماع السكوتى الذى يتحقق بقول البعض وسكوت الباقين رخصة تقابل الأصل والعزيمة (29).
هذا تعريف النوعين، وسيأتى الكلام على حكم كل منهما من حيث الحجية.
الخلاف فى إمكان وقوع الإجماع، وفى إمكان العلم به، وفى إمكان نقله، وفى حجيته:
اختلف العلماء فى إمكان وقوع الإجماع على غير ما علم من الدين بالضرورة، وعلى تقدير إمكان وقوعه، اختلفوا فى إمكان العلم به، وعلى تقدير الإمكان فى هذا وذاك، اختلفوا فى إمكان نقل الإجماع إلى من يحتج به من بعد المجمعين.
وعلى تقدير إمكان ذلك كله، اختلفوا فى حجيته، فالمقامات أربعة:
المقام الأول: إمكانه فى نفسه.
المقام الثانى: إمكان العلم به.
المقام الثالث: إمكان نقله إلى من يحتج به.
المقام الرابع: حجيته (30).
وهذا بيان الخلاف فى كل واحد من هذه المقامات.
المقام الأول: إمكان الإجماع
إن جمهور العلماء فى مذاهب السنة الأربعة، ومذهب الزيدية ومذهب الإباضية يقولون بإمكان وقوع الإجماع من أهل الحل والعقد على أمر من الأمور، وإن ذلك متصور لا استحالة فيه. وقد خالف فى ذلك النظام، وبعض الشيعة والخوارج وعدد من علماء مذاهب السنة وغيرهم (31).
وكلام القاضى البيضاوى فى المنهاج يقتضى أن النظام يسلم إمكان الإجماع، وإنما يخالف فى حجيته، وهو تابع للإمام الرازى فى ذلك، والمذكور فى الأوسط لابن برهان ومختصر ابن الحاجب وغيرهما أن النظام يقول باستحالته.
وقال ابن السبكى: إن بعض أصحاب النظام يقولون باستحالة الاجتماع، أما هو فيقول إنه يتصور لكن لا حجة فيه (32).
والذين يقولون بإمكان الإجماع يستدلون على ذلك بأنه قد وقع فعلا، فإن الأمة مجمعة على وجوب الصلوات الخمس وسائر أركان الإسلام، والوقوع الفعلى يدل على الإمكان، وكيف يمنع تصوره والأمة كلها متبعة باتباع النصوص والأدلة القاطعة ومعرضون للعقاب بمخالفتها، فكما لا يمتنع اجتماعهم على الأكل والشرب لتوافق الدواعى فكذلك على اتباع الحق، واتقاء النار (33).
والذين يقولون بعدم إمكان الإجماع يقولون:
أولا: لا نخالف فى اتفاق الأمة على ما علم من الدين بالضرورة كوجوب الصلوات الخمس وسائر أركان الإسلام، ولكن ثبوت هذه وأشباهها إنما هو بالتواتر لا بالإجماع وأجيب عن ذلك بأن التواتر هو مستند الإجماع، فلما ثبتت بالتواتر أجمع المسلمون عليها، أو أنها ثبتت بالإجماع فتواترت وكيفما كان فالإجماع فيها ثابت، وبه يحصل المقصود وهو إمكان الإجماع بدليل وقوعه (34).
ثانيا: إن اتفاق الأمة أو جميع المجتهدين، أو جميع أهل الحل والعقد على حكم غير معلوم من الدين بالضرورة محال، كاتفاقهم فى الساعة الواحدة على المأكول الواحد، كالزبيب مثلا أو على التكلم بالكلمة الواحدة، فإن الاتفاق على هذا أو ذاك محال عادة.
وأجيب بأن هناك فرقا، هو أنه لا صارف لجميعهم على تناول الزبيب مثلا فى يوم واحد ولجميعهم باعث على الاعتراف بالحق (35).
وأجيب أيضا بأن الاتفاق إنما يمتنع عادة فيما يستوى فيه الاحتمال، كالمأكول المعين، والكلمة الواحدة، أما عند الرجحان بقيام الدلالة أو الإمارة الظاهرة، فذلك غير ممتنع، كاتفاق الجمع العظيم على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم (36).
ثالثا: إن اتفاقهم فرع تساويهم فى نقل الحكم إليهم، وانتشارهم فى الأقطار يمنع نقل الحكم إليهم.
وأجيب عن هذا بأنه " لا يمتنع نقل الحكم إلى المتفرقين فى الآفاق مع جدهم فى الطلب، وبحثهم عن الأدلة، وإنما يمتنع ذلك على من قعد فى قعر بيته لا يبحث ولا يطلب" (37).
" والمجتهدون عدد قليل، ولهم اجتهادهم فى البحث عن الأحكام فلا يلزم مع ذلك امتناع اطلاع كل واحد منهم على ذلك الحكم " (38).
رابعا: إن الاتفاق إما أن يكون عن دليل قاطع أو عن دليل ظنى، وكلاهما باطل، أما القاطع فلأن العادة تحيل عدم نقله إلينا، فلو كان لنقل، فلما لم ينقل علم أنه لم يوجد ، ولو أنه نقل، لأغنى عن الإجماع، وأما الظنى فلأنه يمتنع الاتفاق عادة فى الأدلة الظنية، لاختلاف الأفهام وتباين
الأنظار" (39).
وأجيب:" بعدم تسليم ما ذكر بالنسبة للدليل القاطع، إذ قد يستغنى عن نقله بحصول الإجماع الذى هو أقوى منه، وأما الظنى فقد يكون جليا لا تختلف فيه الأفهام، ولا تتباين فيه الأنظار، (40)
" وقد تصور إطباق اليهود على الباطل، فكيف لا يتصور إطباق المسلمين على الحق " (41)
" وليس بممتنع مع الدليل الظنى اتفاق الجمع الكبير على حكمه، بدليل اتفاق أهل الشبه على أحكامها، مع الأدلة القاطعة على مناقضتها،اتفاق اليهود والنصارى على إنكار بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، واتفاق الفلاسفة على قدم العالم،والمجوس على التثنية، أى القول بالهين، مع كثرة عددهم كثرة لا تحصى، فالاتفاق على الدليل الظنى الخالى عن معارضة القاطع أولى ألا يمتنع عادة " (42).
المقام الثانى: إمكان العلم بالإحماع
اختلف العلماء فى هذا أيضا، فأثبته بعضهم، ونفاه بعضهم، قال الآمدى فى الأحكام: " المتفقون على تصور انعقاد الإجماع اختلفوا فى إمكان معرفته والاطلاع عليه، فأثبته الأكثرون أيضا، ونفاه الأقلون، ومنهم أحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه، ولذا نقل عنه أنه قال: " من ادعى الإجماع فهو كاذب " (43).
وأوضح المؤلفين بيانا لوجهة نظر النفاة، وجمعا لأدلتها، هو القاضى الشوكانى فى كتابه
" إرشاد الفحول" ويبدو من كلامه أنه مقتنع بهذا الرأى، معتقد أنه الحق، وهذا هو نص كلامه مع قليل من التصرف للتوضيح:
"على تقدير تسليم إمكان الإجماع فى نفسه، يمنع بعض العلماء إمكان العلم به فيقولون لا طريق لنا إلى العلم بحصوله لأن العلم بالأشياء إما أن يكون وجدانيا، أو لا يكون وجدانيا، أما الوجدانى فكما يجد أحدنا من نفسه جوعه وعطشه، ولذته وألمه، ولا شك أن العلم باتفاق أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليس من هذا الباب، وأما الذى لا يكون وجدانيا فقد اتفقوا على أن الطريق إلى معرفته لا مجال للعقل فيها، إذ كون الشخص الفلانى قال بهذا القول أو لم يقل به ليس من حكم العقل بالاتفاق ولا مجال أيضا للحس فيها، لأن الإحساس بكلام الغير لا يكون إلا بعد معرفته، فإذن العلم باتفاق الأمة لا يحصل إلا بعد معرفة كل واحد منهم، وذلك متعذر قطعا، ومن ذلك الذى يعرف جميع المجتهدين من الأمة فى الشرق والغرب، وسائر البلاد الإسلامية، فإن العمر يفنى دون مجرد البلوغ إلى كل مكان من الأمكنة التى يسكنها أهل العلم فضلا عن اختبار أحوالهم ومعرفة من أهم أهل الإجماع منهم، ومن ليس من أهله، ومعرفة كونه قال بذلك أو لم يقل به، والبحث عمن هو خامل من أهل الاجتهاد بحيث لا يخفى على الباحث فرد من أفرادهم، فإن ذلك قد يخفى على الباحث فى المدينة الواحدة، فضلا عن الإقليم الواحد، فضلا عن جميع الأقاليم التى فيها أهل الإسلام.
ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق يحمله علماء الغرب وعكسه، فضلا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل، وبكيفية مذهبه، وبما يقول فى تلك المسألة بعينها، وأيضا قد يحمل بعض من يعتبر فى الإجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف التقية والخوف على نفسه كما أن ذلك معلوم فى كل طائفة من طوائف الإسلام، فانهم قد يعتقدون شيئا إذا خالفهم فيه مخالف خشى على نفسه من مضرتهم.
وعلى تقدير إمكان معرفة ما عند كل واحد من أهل بلد وإجماعهم على أمر، فيمكن أن يرجعوا عنه، أو يرجع بعضهم قبل أن يجمع أهل بلدة أخرى، بل لو فرضنا حتما اجتماع العالم بأسرهم فى موضع واحد، ورفعوا أصواتهم دفعة واحدة قائلين قد اتفقنا على الحكم الفلانى، فإن هذا مع امتناعه لا يفيد العلم بالإجماع، لاحتمال أن يكون بعضهم مخالفا فيه، وسكت تقية وخوفا على نفسه.
ومن ادعى أنه يتمكن الناقل للإجماع من معرفة كل من يعتبر فيه من علماء الدنيا فقد أسرف فى الدعوى وجازف فى القول لما قدمنا من تعذر ذلك تعذرا ظاهرا واضحا، ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب.
وجعل الأصفهانى الخلاف فى غير إجماع الصحابة وقال: الحق تعذر الاطلاع على الإجماع إلا إجماع الصحابة حيث كان المجمعون وهم العلماء منهم فى قلة، وأما الآن، وبعد انتشار الإسلام وكثرة فلا مطمع للعلم به.
قال: وهو اختيار أحمد مع قرب عهده من الصحابة وقوة حفظه وشدة اطلاعه على الأمور النقلية.
قال: والمنصف يعلم أنه لا خبر له عن الإجماع إلا ما يجده مكتوبا فى الكتب، ومن البين أنه لا يحصل الاطلاع عليه الا بالسماع منهم، أو بنقل أمل التواتر إلينا، ولا سبيل إلى ذلك إلا فى عصر الصحابة، وأما من بعدهم فلا (44).
ويرد الغزالى فى المستصفى على الذين ينفون إمكان العلم بالإجماع فيقول: "قال قوم لو تصور إجماعهم فمن ذا الذى يطلع عليه مع تفرقهم فى الأقطار، فنقول: يتصور معرفة ذلك بمشافهتهم إن كانوا عددا يمكن لقاؤهم، وإن لم يكن عرف مذهب قوم بالمشافهة، ومذهب الآخرين بأخبار التواتر عنهم كما عرفنا أن مذهب جميع أصحاب الشافعى منع قتل المسلم بالذمى، وبطلان النكاح بلا ولى ومذهب جميع النصارى التثليث، ومذهب جميع المجوس التثنية.
فإن قيل: مذهب أصحاب الشافعى وأبى حنيفة مستند إلى قائل واحد وهو الشافعى وأبو حنيفة، وقول الواحد يمكن أن يعلم، وكذلك مذهب النصارى يستند إلى عيسى عليه السلام، أى فى غير التثليث ونحوه من الباطل.
أما قول جماعة لا ينحصرون فكيف يعلم. قلنا: وقول أمة محمد صلى الله عليه وسلم فى أمور الدين يستند إلى ما فهموه من محمد صلى الله عليه وسلم وسمعوه منه ثم إذا انحصر أهل الحل والعقد فكما يمكن أن يعلم قول واحد أمكن أن يعلم قول الثانى إلى العشرة والعشرين، فإن قيل: لعل أحدا منهم فى أسر الكفار وبلاد الروم، قلنا: تجب مراجعته، ومذهب الأسير ينقل كمذهب غيره، وتمكن معرفته فمن شك فى موافقته للآخرين لم يكن متحققا للإجماع، فإن قيل: فلو عرف مذهبه ربما رجع عنه بعده ، قلنا: لا أ ثر لرجوعه بعد انعقاد الإجماع، فإنه يكون محجوجا به، ولا يتصور رجوع جميعهم، إذ يصير أحد الإجماعين خطأ، وذلك ممتنع بدليل السمع، أى قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا تجتمع أمتى على الخطأ "، ونحوه" (45).
ويجمل الآمدى الرد عليهم بقوله:
" وطريق الرد عليهم أن يقال: جميع ما ذكرتموه باطل بالواقع، ودليل الوقوع ما علمناه علما لا مراء فيه من أن مذهب جميع الشافعية امتناع قتل المسلم بالذمى، وبطلان النكاح بلا ولى، وأن مذهب جميع الحنفية نقيض ذلك مع وجود جميع ما ذكروه من التشكيكات، والوقوع فى هذه الصور دليل الجواز العادى وزيادة " (46).
المقام الثالث: إمكان نقل الإجماع
إلى من يحتج به من بعد المجمعين
واختلفوا أيضا فى إمكان ذلك، فمنهم من يقول بالإمكان ومنهم من ينفيه.
قال النافون للإمكان: لو سلمنا إمكان ثبوت الإجماع عند الناقلين له لكان نقله إلى من يحتج به من بعدهم مستحيلا، لأن طريق نقله إما التواتر أو الآحاد، والعادة تحيل النقل تواترا لبعد أن يشاهد أهل التواتر كل واحد من المجتهدين شرقا وغربا ويسمعوا ذلك منهم، ثم ينقلوه إلى عدد متواتر ممن بعدهم، ثم كذلك فى كل طبقة إلى أن يتصل به، وأما الآحاد فغير معمول به فى نقل الإجماع.
وأجيب بأن ذلك تشكيك فى ضرورى للقطع لإجماع أهل كل عصر على تقديم القاطع على المظنون وما ذلك إلا بثبوته عنهم وبنقله إلينا (47).
وقول الإمام أحمد: من ادعى الإجماع فهو كاذب، محمول على تكذيب المدعى بذلك فى انفراده بالاطلاع، فإن الإجماع أمر عظيم يبعد كل البعد أن يخفى على الكثير ويطلع عليه الواحد، أو محمول على حدوثه الآن، فإن كثرة العلماء والتفرق فى البلاد وكونهم غير معروفين، مريب فى نقل اتفاقهم، فإن أحمد رحمه الله قد احتج بالإجماع فى مواضع كثيرة، فلو لم ينقل إليه لما ساغ له الاحتجاج به (48).
هذا وممن قال: بأن الوقوف على الإجماع متعذر إلا فى إجماع الصحابة: الإمام الرازى، والقاضى البيضاوى ، وجمال الدين الإسنوى ،من علماء الشافعية والحسين بن القاسم، صاحب غاية السول وهداية العقول فى أصول الزيدية والمنصور بالله، والإمام يحيى من الزيدية أيضا.
قال الإسنوى فى شرحه، على المنهاج للبيضاوى: " إن الوقوف على الإجماع لا يتعذر فى أيام الصحابة، رضوان الله عليهم، فإنهم كانوا قليلين محصورين ومجتمعين فى الحجاز، ومن خرج منهم بعد فتح البلاد كان معروفا فى موضعه، وهذا قد ذكره الإمام الرازى، فقال: "والإنصاف أنه لا طريق لنا إلى معرفته إلا فى زمان الصحابة وعلل بما قلناه، نعم لو فرضنا حصول الإجماع من غير الصحابة أى مع ما تبين من تعذر ذلك.
فالأصح عند الإمام والآمدى وغيرهما أنه يكون حجة، وقال أهل الظاهر: لا يحتج إلا بإجماع الصحابة، وهو رواية لأحمد (49).
وسيأتى ذلك فى الكلام على الحجية.
وقال الحسين بن القاسم الزيدى: " إن الاحتمالات التى ذكروها، أى ذكرها القائلون بنفى إمكان العلم به وإمكان نقله إلى من يحتج به بعد المجمعين، هذه الاحتمالات منتفية فى أيام الصحابة، لأنهم كانوا قليلين محصورين مجتمعين فى الحجاز ومن خرج منهم بعد فتح البلاد كان معروفا فى موضعه ".
وعلق عليه الحسن بن يحيى فى الحاشية بقوله: " محصول هذا أنه ممكن من الصحابة لا من غيرهم وهذا قول المنصور بالله والإمام يحيى، وأحد قولى أحمد بن حنبل، كما حكاه فى
الفصول " (50).
وقد ذكرنا فيما سبق أن الظاهرية لا يعتبرون الإجماع فى غير ما هو معلوم من الدين بالضرورة إلا إجماع الصحابة دون غيرهم من العصور، ومن أسباب قولهم بذلك امتناع العلم بإجماع غيرهم لسعة أقطار المسلمين وكثرة العدد وعدم إمكان ضبط أقوالهم.
فقد نقل الشوكانى عن ابن وهب قال: ذهب داود ، وأصحابنا إلى أن الإجماع إنما هو إجماع الصحابة فقط وهو قول لا يجوز خلافه، لأن الإجماع إنما يكون عن توقيفه، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف، فإن قيل فما تقولون فى إجماع من بعدهم؟ قلنا: هذا لا يجوز لأمرين: أحدهما أن النبى صلى الله عليه وسلم أنبأ عن ذلك فقال: " لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين "، أى وذلك دال علي بقاء الخلاف، وعدم انعقاد الإجماع بدليل أن هناك من هم على الحق، متغلبون وظاهرون، وفى مقابلتهم طبعا من هم على غير الحق.
والثانى: أن سعة أقطار الأرض وكثرة العدد لا تمكن من ضبط أقوالهم، ومن ادعى هذا لا يخفى على أحد كذبه " (51).
وجاء فى الأحكام لابن حزم الظاهرى: قال أبو محمد: قال أبو سليمان وكثير من أصحابنا: " لا إجماع إلا إجماع الصحابة رضى الله عنهم، واحتج فى ذلك بأنهم شهدوا التوقيف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وقد صح أنه لا إجماع إلا عن توقيف، وأيضا فإنهم رضى الله عنهم كانوا جميع المؤمنين، لا مؤمن من الناس سواهم، ومن هذه صفته فإجماعهم هو إجماع المؤمنين وهو الإجماع المقطوع به وأما كل عصر بعدهم فإنما هم بعض المؤمنين لا كلهم وليس إجماع بعض المؤمنين إجماعا.
إنما الإجماع: إجماع جميعهم، وأيضا فإنهم كانوا عددا محصورا يمكن أن يحاط بهم، وتعرف أقوالهم، وليس من بعدهم كذلك ".
وقد علق ابن حزم على هذا الذى نقله عن أبى سليمان وكثير من الأصحاب، بما يدل على موافقته عليه إلا فى نقطة واحدة تحفظ فيها ، فقال: " وأما قوله أن عدد الصحابة رضى الله عنهم كان محصورا ممكنا جمعه وممكنا ضبط أقوالهم، وليس كذلك من بعدهم، فإنما كان هذا إذ كانوا كلهم بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل تفرقهم فى البلاد وأما بعد تفرقهم فالحال فى تعذر حصر أقوالهم كالحال فيمن بعدهم سواء ولا فرق، هذا أمر يعرف بالمشاهدة والضرورة " (52).
ويتبين من هذا أن ابن حزم يستبعد أيضا معرفة إجماع الصحابة بعد تفرقهم فى الأمصار.
المقام الرابع
حجية الإجماع
أولا بيان الخلا ف فى ذلك:
قال الآمدى: " أتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم خلافا للشيعة والخوارج والنظام من المعتزلة (53).
وقال فى مسلم الثبوت وشرحه: "الإجماع حجة قطعا، ويفيد العلم الجازم عند الجميع من أهل القبلة ولا يعتد بشرذمة من الحمقى الخوارج والشيعة، لأنهم حادثون بعد الاتفاق، يشككون فى ضروريات الدين مثل السوفسطائية فى الضروريات العقلية " (54).
وقال الإسنوى فى شرحه على المنهاج:
" ذهب الجمهور إلى أن الإجماع حجة يجب العمل به خلافا للنظام والشيعة والخوارج فإنه وإن نقل عنهم ما يقتضى الموافقة، لكنهم عند التحقيق مخالفون.
أما النظام فإنه لم يفسر الإجماع باتفاق المجتهدين، بل قال كما نقله عنه الآمدى إن الإجماع كل قول يحتج به.
وأما الشيعة، يريد الإمامية منهم، فإنهم يقولون: إن الإجماع حجة، لا لكونه إجماعا بل لاشتماله على قول الإمام المعصوم، وقوله بانفراده عندهم حجة.
وأما الخوارج فقالوا كما نقله القرافى فى الملخص: أن إجماع الصحابة حجة قبل حدوث الفرقة، أى الاختلاف، وهذا غير التفرق الذى ذكره ابن حزم وأراد به التفرق فى الأمصار، وأما بعدها فقالوا الحجة فى إجماع طائفتهم لا غير، لأن العبرة بقول المؤمنين، ولا مؤمن عندهم إلا من كان على مذهبهم " (55) وقال عبد الله بن حميد السالمى الإباضى: بعد أن ذكر الخلاف فيمن هم أهل الإجماع: "أعلم أن ثمرة الخلاف فى هذا المقام إنما هى فى كون الإجماع حجة على كل قول من هذه الأقوال عند القائل به ، فمن يعتبر أهل الاجتهاد فقط، كان إجماع المجتهدين من الأمة حجة عنده، وافقهم غيرهم على ذلك أم خالفهم، ومن يعتبر المجتهدين الكاملين فى الإيمان دون الفسقة والمبتدعين كان إجماع المؤمنين الكاملين حجة معه وإن خالفهم أهل الأهواء، ومن يعتبر الفقهاء من أهل الفروع دون غيرهم كان إجماعهم حجة عندهم وإن خالفهم غيرهم فى ذلك.
وهكذا من يعتبر الأصوليين ومن اعتبر جميع الأمة لم يكن إجماع بعضها وإن كانوا مجتهدين حجة معه، وأهل هذه الأقوال لا يخطىء بعضهم بعضا، لأنه مقام اجتهاد.
وحجية الإجماع على كل قول من الأقوال المذكورة إنما هى حجة ظنية عند من أثبتها حجة هنالك فيلزم العمل بها دون العلم ولا يكون الإجماع حجة قطعية يحكم بتفسيق من خالفها إلا إذا اجتمعت الأمة عالمها وجاهلها ومؤمنها وفاسقها ومحقها ومبتدعها، فإذا اجتمعوا جميعا على حكم لم يسبقهم فيه خلاف وانقرضوا على ذلك من غير أن يرجع أحدهم عن ذلك الحكم، فهاهنا يكون الإجماع حجة قطعية، بإجماع جميع من اعتبر الإجماع، وذلك بعد كمال الشروط الآتى ذكرها، ومنها ألا يكون إجماعهم مخالفا للنص، وأن ينقل إجماعهم إلينا التواتر، إلى غير ذلك من الشروط المعتبرة، ودون هذا فالإجماع حجة ظنية، ويكفى اعتبار المجتهدين فى كون الإجماع حجة ظنية على حسب ما اخترناه " (56).
ثانيا: الأدلة على حجيته:
استدل القائلون بحجيته بالكتاب، والسنة، والمعقول (57): فهى مسالك ثلاثة فى الاستدلال، أما الإجماع فلا يمكن إثبات الإجماع به، لأنه استدلال على الشىء بنفسه (58).
على أن منهم من قصر الاستدلال على الكتاب والسنة فقط، ولم ير أن يستدل بالمعنى المعقول على الحجية.
قالوا: لأن العدد الكثير وإن بعد فى العقل اجتماعهم على الكذب، فلا يبعد اجتماعهم على الخطأ كاجتماع الكفار على جحد النبوة (59).
ونحن نذكر المسالك الثلاثة استيعابا للأدلة التى تمسكوا بها:
المسلك الأول: الاستدلال بالكتاب:
استدلوا من الكتاب الكريم بخمس آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " (60).
وجه الدلالة: أن الله تعالى جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين فى الوعيد، حيث قال " نوله ما تولى، ونصله جهنم " فيلزم أن يكون اتباع غير سبيل المؤمنين محرما لأنه لو لم يكن حراما لما جمع بينه وبين المحرم الذى هو المشاقة فى الوعيد، فإنه لا يحسن الجمع بين حلال وحرام فى وعيد بأن نقول مثلا: إن زنيت وشربت الماء عاقبتك، وإذا حرم أتباع غير سبيل المؤمنين وجب اتباع سبيلهم لأنه لا مخرج عنهما، أى لا واسطة بينهما، ويلزم من وجوب اتباع سبيلهم كون الإجماع حجة، لأن سبيل الشخص هو ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد " (61) وهذا الدليل قد تمسك به الشافعى فى الرسالة كما ذكره الإسنوى وغيره، وقد دارت فيه مناقشات كثيرة بين مثبتى حجية الإجماع ومنكريها تجدها مفصلة فى كتب الأصول كالأحكام للآمدى، ومسلم الثبوت وشرحه وإرشاد الفحول وغيرها، وحسبنا أن نذكر بعضها على سبيل المثال، فمن ذلك قول المنكرين للحجية: لا نسلم أن المراد بسبيل المؤمنين فى الآية هو إجماعهم، لاحتمال أن يكون المراد سبيلهم فى متابعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، أو فى مناصرته، أو فى الاقتداء به، أو فيما به صاروا مؤمنين وهو الإيمان به، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال (62).
ولمثل هذا الاعتراض قرر بعض العلماء القائلين بالحجية أن دلالة الآية محتملة، فالغزالى يقول:
" والذى نراه أن الآية ليست نصا فى الغرض، بل الظاهر أن المراد بها أن من يقاتل الرسول ويشاققه ويتبع غير سبيل المؤمنين فى مشايعته والذب عنه والانقياد له فيما يأمر وينهى، وهذا هو الظاهر السابق إلى الفهم، فإن لم يكن ظاهرا فهو محتمل 0
ولو فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية بذلك لقبل " (63).
والحسين بن القاسم الزيدى يقول: والاحتجاج المأخوذ من هذه الآية الكريمة ظنى، لأنه معترض عليه بوجوه، منها - وهو أقواها- جواز أن يريد سبيلهم فى مطاوعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وترك مشاقته، أوفى مناصرته، أو فى التأسى به فى الأعمال، أو فيما صاروا به مؤمنين وهو الإيمان بالله ورسوله، وإذا قام الاحتمال كان غايته الظهور، والتمسك بالظاهر إنما يثبت بالإجماع، لأن غيره من أدلة التمسك لا يخلو عن قدح، فلو أثبتت حجية الإجماع به لزم الدور وإثبات الأصل الكلى بدليل ظنى لا يجوز (64).
الآية الثانية قوله تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)" (65)، ووجه الاستدلال بها " أن الله تعالى عدل هذه الأمة، لأنه تعالى جعلهم وسطا والوسط من كل شىء أعدله، قال الله تعالى " قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون " (66) أى أعدلهم.
وقال الجوهرى: " الوسط من كل شىء أعدله، ومنه قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا ". أى عدولا وقد علل الله تعالى جعلهم وسطا بأن يكونوا شهداء على الناس، والشاهد لابد أن يكون عدلا وهذا التعديل الحاصل للأمة وإن لزم منه تعديل كل فرد منها بالضرورة، لكون نفيه عن واحد يستلزم نفيه عن المجموع، لكنه ليس المراد تعديلهم فيما ينفرد به كل واحد منهم، لأنا نعلم بالضرورة خلافه، فتعين تعديلهم فيما يجتمعون عليه، وحينئذ فتجب عصمتهم عن الخطأ قولا وفعلا صغيرة وكبيرة، لأن الله تعالى، يعلم السر والعلانية، فلا يعد لهم مع ارتكابهم بعض المعاصى بخلافه تعديلنا فإنه قد لا يكون كذلك لعدم اطلاعنا على الباطن " (67).
وقد دار فى هذه الآية نقاش كثير كالآية الأولى تراه مفصلا فى كتب الأصول، ومن ذلك ما ذكره الإسنوى فى شرحه على المنهاج إذ يقول " لقائل أن يقول أن الآية لا تدل على المدعى، لأن العدالة لا تنافى صدور الباطل غلطا ونسيانا، ولو سلمنا أن كل ما أجمعوا عليه حق، فلا يلزم المجتهد أن يفعل كل ما هو حق فى نفسه بدليل أن المجتهد لا يتبع مجتهدا آخر، وإن قلنا كل مجتهد
مصيب " (68).
ويقول الشوكانى بعد أن أورد مناقشات الموافقين والمخالفين فى دلالة هذه الآية: " ولا يخفاك ما فى هذه الأجوبة من الضعف - يريد أجوبة المستدلين بالآية على ما أثير عليهم من اعتراضات- وعلى كل حال فليس فى الآية دلالة على محل النزاع أصلا، فإن ثبوت كون أهل الإجماع بمجموعهم عدولا لا يستلزم أن يكون قولهم حجة شرعية، فإن ذلك أمر إلى الشارع لا إلى غيره، وغاية ما فى الآية أن يكون قولهم مقبولا إذا أخبرونا عن شىء من الأشياء، وأما كون اتفاقهم على أمر دينى يصير دينا ثابتا عليهم وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة فليس فى الآية ما يدل على هذا، ولا هى مسوقة لهذا المعنى ولا تقتضيه بمطابقة ولا تضمن ولا التزام " (69).
يريد أنها لا تقتضيه بأى وجه من وجوه الدلالة الثلاثة المعروفة.
ولذلك أسقط الاستدلال بهذه الآية بعض المؤلفين مع شدة تمسكهم بالحجية كابن الحاجب فى مختصره، وابن قدامة الحنبلى فى روضة الناظر، وأوردها بعضهم معقبا بأن الاستدلال بها لا يفيد قطعا ولا ظنا قويا (70)، وبعضهم معقبا أنها لا تفيد إلا ظنا(71).
الآية الثالثة قوله تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن
المنكر " (72)
والاستدلال بها من حيث أنها جملة خبرية تصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والألف واللام فى المعروف والمنكر للعموم لأنها داخلة على اسم جنس، فهم إذن يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فمن خالف فيما أمروا به أو نهوا عنه فقد خالف طريقتهم ، فيكون مبطلا وضالا " فماذا بعد الحق إلا الضلال " (73).
وأيضا: لو أجمعوا على الخطأ لكانوا آمرين بالمنكر وناهين عن المعروف ، وهو خلاف المنصوص (74).
وقد نوقش هذا الاستدلال كذلك بما لا نطيل بذكره ، وفيه يقول الشوكانى: " ولا يخفاك أن الآية لا دلالة لها على محل النزاع لأن اتصافهم بكونهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يستلزم أن يكون قولهم حجة شرعية تصير دينا ثابتا على كل الأمة ، بل المراد أنهم يأمرون بما هو معروف فى هذه الشريعة ، وينهون عما هو منكر فيها.
فالدليل على كون ذلك الشىء معروفا أو منكرا هو الكتاب أو السنة ، لا إجماعهم ، غاية ما فى الباب أن إجماعهم يصير قرينة على أن فى الكتاب أو السنة ما يدل على ما أجمعوا عليه ، وأما أنه دليل بنفسه فليس فى هذه الآية ما يدل على ذلك " (75).
الآية الرابعة قوله تعالى: " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " (76).
" ووجه الاحتجاج بها أنه تعالى نهى عن التفرق ، ومخالفة الإجماع تفرق ، فكان منهيا عنه ، ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى النهى عن مخالفته " (77).
وقد أعقب الآمدى بيان الاحتجاج بذكر ما ورد عليه من المناقشات والإجابة عن كل منها (78).
الآية الخامسة قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم، فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا" (79).
ووجه الاحتجاج بالآية أنه شرط التنازع فى وجوب الرد إلى الكتاب والسنة، والمشروط ينعدم عند عدم الشرط. وذلك يدل على أنه إذا لم يوجد التنازع فالاتفاق على الحكم كاف عن الكتاب والسنة ولا معنى لكون الإجماع حجة سوى هذا " (80).
وقد عقب الآمدى بذكر ما نوقش به هذا الدليل أيضا، وما رد به على المناقشة.
وبهذا انتهى المسلك الأول وهو الاستدلال بالكتاب على حجية الإجماع.
وقد علق الآمدى على هذا المسلك بقوله " واعلم أن التمسك بهذه الآيات، وإن كانت مفيدة للظن فغير مفيدة للقطع، ومن زعم أن المسألة قطعية، فاحتجاجه فيها بأمر ظنى غير مفيد للمطلوب، وإنما يصح ذاك على رأى من يزعم أنها اجتهادية ظنية"(81).
وعلق الغزالى على مسلك الاستدلال بالآيات أيضا بقوله: " فهذه كلها ظواهر لا تنص على الغرض بل لا تدل أيضا دلالة الظواهر " (82).
المسلك الثانى: الاستدلال بالسنة: قال الغزالى فى المستصفى:
المسلك الثانى- وهو الأقوى- التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم: " لا تجتمع أمتى على الخطأ " وهذا من حيث اللفظ أقوى وأدل على المقصود، ولكن ليس بالمتواتر، كالكتاب، والكتاب متواتر لكن ليس بنص، فطريق تقرير الدليل أن نقول: تظاهرت الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى فى عصمة هذه الأمة من الخطأ، واشتهر على لسان المرموقين والثقات من الصحابة كعمر وابن مسعود وأبى سعيد الخدرى، وأنس بن مالك، وابن عمر، وأبى هريرة، وحذيفة بن اليمان، وغيرهم ممن يطول ذكره من نحو قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تجتمع أمتى على الضلالة " و " لم يكن الله ليجمع أمتى على الضلالة " و " سألت الله تعالى ألا يجمع أمتى على الضلالة فأعطانيها " و " من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم " و " أن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد".
وقوله صلى الله عليه وسلم: " يد الله مع الجماعة، ولا يبالى الله بشذوذ من شذ " و " لا تزال طائفة من أمتى على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ".
وروى: " لا يضرهم خلاف من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء ".
و " من خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه " و" من فارق الجماعة ومات، فميتته جاهلية " (83).
وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة فى الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها بل هى مقبولة من موافقى الأمة ومخالفيها، ولم تزل الأمة تحتج بها فى أصول الدين وفروعه، فإن قيل فما وجه الحجة ودعوى التواتر فى آحاد هذه الأخبار غير ممكن، ونقل الآحاد لا يفيد العلم؟
قلنا فى تقرير وجه الحجة طريقان:
أحدهما: أن ندعى العلم الضرورى بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عظم شأن هذه الأمة وأخبر عن عصمتها عن الخطأ بمجموع هذه الأخبار المتفرقة، وأن لم تتواتر آحادها، وبمثل ذلك نجد أنفسنا مضطرين إلى العلم بشجاعة على، وسخاوة حاتم، وفقه الشافعى، وخطابة الحجاج، وميل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة من نسائه، وتعظيمه صحابته وثنائه عليهم، وإن لم تكن آحاد الأخبار فيها متواترة، بل يجوز الكذب على كل واحد منها لو جردنا النظر إليه.
ولا يجوز على المجموع، وذلك يشبه ما يعلم من مجموع قرائن آحادها لا ينفك عن الاحتمال ولكن ينتفى الاحتمال عن مجموعها حتى يحصل العلم الضروى.
الطريق الثانى: ألا ندعى علم الاضطرار بل علم الاستدلال من وجهين:
الأول أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين، يتمسكون بها فى إثبات الإجماع ولا يظهر أحد فيها خلافا وإنكارا، إلى زمان النظام.
ويستحيل فى مستقر العادة توافق الأمم فى أعصار متكررة على التسليم بما لم تقم الحجة بصحته مع اختلاف الطباع وتفاوت الهمم والمذاهب فى الرد والقبول.
ولذلك لم ينفك حكم ثبت بأخبار الآحاد عن خلاف مخالف وإبداء تردد فيه.
الوجه الثانى: إن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا أنها أصلا مقطوعا به وهو الإجماع الذى يحكم به على كتاب الله تعالى، وعلى السنة المتواترة، ويستحيل فى العادة التسليم بخبر يرفع به الكتاب المقطوع به إلا إذا استند إلى مستند مقطوع به، فأما رفع المقطوع بما ليس بمقطوع فليس معلوما حتى لا يتعجب متعجب ولا يقول قائل: كيف ترفعون الكتاب القاطع بإجماع مستند إلى خبر غير معلوم الصحة، وكيف تذهل عنه جميع الأمة إلى زمان النظام، فتختص بالتنبه له (84).
والذى قرره الغزالى من الاستدلال بالأحاديث المذكورة على عصمة الأمة من الخطأ، هو استدلال بالتواتر المعنوى فى هذه الأحاديث وإن لم تتواتر آحادها.
وقد استدل به صاحب مسلم الثبوت وشرحه، ثم ساق استبعاد الإمام الرازى لذلك مشفوعا بالرد عليه، وهذا هو نص كلامهما مع تصرف يسير للتوضيح:
" واستدل ثانيا بقوله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم: " لا تجتمع أمتى على الضلال "، فإنه يفيد عصمة الأمة عن الخطأ فإنه متواتر المعنى فإنه قد ورد ، بألفاظ مختلفة يفيد كلها العصمة، وبلغت رواة تلك الألفاظ حد التواتر، وتلك الألفاظ نحو " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن "، ونحو " من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام "، ونحو " عليكم بالجماعة "، ونحو " الزموا الجماعة " ونحو " من فارق الجماعة مات ميتة الجاهلية "، ونحو " عليكم بالسواد الأعظم " ونحو " لا تجتمع أمتى علي الخطأ " وغير ذلك من الألفاظ التى يطول الكلام بذكرها، واستحسنه ابن الحاجب فإنه دليل لا خفاء فيه بوجه، ولا مساغ للارتياب فيه، واستبعد الإمام الرازى صاحب المحصول، كما هو دأبه من التشكيكات فى الأمور الظاهرة، التواتر المعنوى، سيما على حجيته- أى استبعد التواتر عامة، واستبعده على حجية الإجماع خاصة-- وقال لا نسلم بلوغ مجموع هذه الآحاد حد التواتر المعنوى، فإن الرواة العشرين أو الألف، لا تبلغ حد التواتر ولا تكفى للتواتر المعنوى فإنه ليس بمستبعد فى العرف إقدام عشرين على الكذب فى وقعة معينة، بعبارات مختلفة، ولو سلم فتواتره بالمعنى غير مسلم، فإن القدر المشترك هو أن الإجماع حجة، أو ما يلزم ذلك منه، وقد ادعيتم أن حجية الإجماع متواترة من رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم ، ويلزم أن يكون كغزوة بدر، فإنه لو كان كذلك لم يقع الخلاف فيه، وإنكم بعد تصحيح المتن- أى ألفاظ الحديث ونصه- توردون على دلالته على حجية الإجماع، الأسئلة و الأجوبة، ولو كان متواترا لأفاد العلم ولغت تلك الأسئلة والأجوبة، وإن ادعيتم أن هذه الأخبار تدل على عصمة الأمة وهى بعينها حجية الإجماع - وقرر الرازى هذه الاعتراضات بعبارات مطلية كما هو دأبه- وهذا الاستبعاد فى بعد بعيد فإن القدر المشترك المفهوم من هذه الأخبار قطعا هو عصمة الأمة عن الخطأ، ولا شك فيه، واجتماع عشرين من العدول الخيار، بل أزيد، على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم ، مما لا يتوهم.
وأما قوله: لو كان لكان كغزوة بدر، قلنا نعم إنه كغزوة بدر- كيف وقد عرفت سابقا أنه تواتر فى كل عصر من لدن رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم إلى الآن، أى إلى هذا الوقت- تخطئة المخالف للإجماع قطعا، وهل هذا إلا تواتر الحجية؟
وأيضا يجوز أن تكون المتواترات مختلفة بحسب قوم دون قوم، فهذا متواتر عند من طالع كثرة الوقائع والأخبار.
وما قال من أنه لو كان متواترا لما وقع الخلاف فيه، قلنا التواتر لا يوجب أن يكون الكل عالمين به، ألا ترى أن أكثر العوام لا يعلمون غزوة بدر أصلا بل التواتر إنما يكون متواترا عند من وصل إليه أخبار تلك الجماعة، وذلك بمطالعة الوقائع والأخبار، والمخالفون لم يطالعوا.
وأيضا الحق إن مخالفتهم كمخالفة السوفسطائية فى القضايا الضرورية الأولية، فكما أن مخالفتهم لا تضر كونها أولية، فكذا مخالفة المخالفين لا تضر التواتر، وأما إيراد الأسئلة والأجوبة فعلى بعض المتون - أى نصوص بعض الأحاديث لا على القدر المشترك المستفاد من الأخبار- فافهم ولا تزل فإنه مزلة " (85).
المسلك الثالث: الاستدلال بالمعقول: قال الآمدى: " وأما المعقول فهو أن الخلق الكثير وهم أهل كل عصر إذا اتفقوا على حكم قضية وجزموا به جزما قاطعا، فالعادة تحيل على مثلهم الحكم الجزم بذلك والقطع به وليس له مستند قاطع بحيث لا يتنبه واحد منهم إلى الخطأ فى القطع بما ليس بقاطع، ولهذا وجدنا أهل كل عصر قاطعين بتخطئة مخالفى ما تقدم من إجماع من قبلهم، ولولا أن يكون ذلك عن دليل قاطع لاستحال فى العادة اتفاقهم على القطع بتخطئة المخالف، ولا يقف واحد منهم على وجه الحق فى ذلك " (86).
وقد عبر صاحب مسلم الثبوت وشرحه عن هذا الدليل بقولهما:
لنا ( أى يدل لنا على ما قلناه من حجية الإجماع ) اتفاقهم فى كل عصر على القطع بتخطئة المخالف للإجماع من حيث هو إجماع، واتفاقهم على تقديمه على القاطع، وعدهم تفريق عصا الجماعة من المسلمين أمرا عظيما وإثما كبيرا والعادة تحيل اجتماع مثل هؤلاء من الأخيار الصالحين من الصحابة والتابعين المحققين على قطع فى حكم ما، لا سيما القطع بكون المخالفة أمرا عظيما، لاعن نص قاطع، بحيث لا يكون للارتياب فيه احتمال، فإنه قد علم بالتجربة والتكرار من أحوالهم وفتاويهم علما ضروريا أنهم ما كانوا يقطعون بشىء إلا ما كان كالشمس على نصف النهار (87).
ويعلق الآمدى على هذا الاستدلال بالمعنى المعقول فيقول:
" ولقائل أن يقول: إن العادة لا تحيل الخطأ على الخلق الكثير بظنهم ما ليس قاطعا قاطعا ولهذا فإن اليهود والنصارى مع كثرتهم كثرة تخرج عن حد التواتر قد أجمعوا على تكذيب محمد عليه السلام وإنكار رسالته وليس ذلك إلا لخطئهم فى ظن ما ليس قاطعا قاطعا، وبالجملة، فإما أن يقال باستحالة الخطأ عليهم فيما ذهبوا إليه، أو لا يقال باستحالته، فإن كان الأول لزم ألا يكون محمد نبيا حقا بإجماعهم على تكذيبه، وإن كان الثانى- أى عدم استحالة الخطأ عليهم- فهو المطلوب " (88).
وهذا الذى قاله الآمدى هو تلخيص لما ذكره الغزالى فإنه اعترض على هذه الطريقة قائلا: " وهذه الطريقة ضعيفة عندنا، لأن منشأ الخطأ إما تعمد الكذب وإما ظنهم ما ليس بقاطع قاطعا، والأول عير جائز على عدد التواتر، وأما الثانى فجائز، فقد قطع اليهود ببطلان نبوة عيسى ومحمد عليهما السلام، وهم أكثر من عدد التواتر، وهو قطع فى غير محل القطع، لكن ظنوا ما ليس بقاطع
قاطعا " (89).
ثالثا: ما استدل به القائلون بعدم حجية الإجماع:
المنكرون للإجماع يسلكون فى الاستدلال على رأيهم مسلكين:
أولهما: معارضة أدلة الجمهور من الكتاب والسنة والمعانى المعقولة، بمثلها، فيأتون بآيات وأخبار ومعان معقولة تدل على بطلان حجية الإجماع.
ثانيهما: مناقشة ما استدل به الجمهور بإبطال دلالته على ما ذهبوا إليه من الحجية وبتأويل الآيات والأحاديث تأويلا آخر، ونحن نذكر أهم ما جاء به المنكرون لحجية الإجماع كما ذكرنا أهم ما جاء به المثبتون، وسنشفع كلا منها بما ورد عليه من المناقشة كما فعلنا أيضا حين ذكرنا أدلة المثبتين.
المسلك الأول: معارضة أدلة
الجمهور بمثلها
" قالوا: إن كتاب الله تعالى يدل على ما ذهبنا إليه، والله تعالى يقول " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء " (90).
وذلك يدل على عدم الحاجة إلى الإجماع (91) فلا مرجع فى تبيان الأحكام إلا إلى الكتاب والإجماع غيره (92).
وقد رد الآمدى على ذلك بأنه ليس فى بيان كون الإجماع حجة متبعة بالأدلة التى ذكرناها ما ينافى كون الكتاب تبيانا لكل شىء (93).
ورد عليه العضد فى شرحه على مختصر ابن الحاجب بأن هذه الآية " لا تنافى كون غيره أيضا تبيانا ولا كون الكتاب تبيانا لبعض الأشياء بواسطة الإجماع " (94).
واستدلوا أيضا بقوله تعالى: " فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول " (95) فلا مرجع عند التنازع إلا الى الكتاب والسنة (96).
وقد رد اللآمدى بأن هذه الآية " دليل عليهم لأنها دليل على وجوب الرد إلى الله والرسول فى كل متنازع فيه، وكون الإجماع حجة متبعة مما وقع النزاع فيه، وقد رددناه إلى الله تعالى، حيث أثبتناه بالقرآن، وهم مخالفون فى ذلك " (97).
ورد العضد بأن الآية " مختصة بما فيه النزاع والمجمع عليه ليس كذلك " (98).
يريد أن لفظها يختص بما فيه النزاع، والمجمع عليه لا نزاع فيه فيمكن أن يدل المفهوم على أن المتفق عليه لا يحتاج فيه إلى الرجوع.
وقد صرح بإفادة الآية لذلك بمفهوم الكلام: شارح مسلم الثبوت (99).
واستدلوا أيضا بمثل قوله تعالى: " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " (100).
" ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق " (101) " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون "(102).
قالوا:- هذه الآيات وأمثالها من كل ما فيه نهى للأمة عن القول الباطل، والفعل الباطل، تدل على تصور ذلك منهم، ومن يتصور منه المعصية لا يكون قوله ولا فعله موجبا للقطع.
ويرد الآمدى على ذلك فيقول: " لا نسلم أن النهى فى هذه الآيات راجع إلى اجتماع الأمة على ما نهوا عنه، بل هو راجع إلى كل واحد على انفراد، ولا يلزم من جواز المعصية على كل واحد جوازها على الجملة، أى على المجموع، سلمنا أن النهى لجملة الأمة عن الاجتماع على المعصية ولكن غاية ذلك جواز وقوعها منهم عقلا، ولا يلزم من الجواز الوقوع، ولهذا فإن النبى عليه السلام قد نهى عن أن يكون من الجاهلين بقوله تعالى: " فلا تكونن من الجاهلين " (103).
وقال تعالى لنبيه: "لئن أشركت ليحبطن عملك " (104)، إذ ورد ذلك فى معرض النهى مع العلم بكونه معصوما من ذلك، وأيضا فإنا نعلم أن كل أحد منهى عن الزنا وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق إلى غير ذلك من المعاصى، ومع ذلك فإن من مات ولم يصدر عنه بعض المعاصى، نعلم أن الله قد علم منه أنه لا يأتى بتلك المعصية فكان معصوما عنها ضرورة تعلق علم الله بأنه لا يأتى بها، ومع ذلك فهو منهى عنها " (105).
وقالوا: وأما السنة فإن النبى عليه الصلاة والسلام أمر معاذا لما سأله عن الأدلة المعمول بها، على إهماله لذكر الإجماع، ولو كان الإجماع دليلا، لما ساغ ذلك مع الحاجة إليه.
وأيضا فإنه قد ورد عن النبى عليه الصلاة والسلام ما يدل على جواز خلو العصر عمن تقوم الحجة بقوله، فمن ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام-: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود كما بدأ ".
وأيضا قوله: " لا ترجعوا بعدى كفارا" نهى الكل عن الكفر وهو دليل جواز وقوعه منهم.
وقوله: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ".
وقوله: " تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى ".
وقوله عليه الصلاة والسلام: " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة " (106)
وقوله: " خير القرون القرن الذى أنا فيه، ثم الذى يليه، ثم الذى يليه، ثم تبقى حثالة كحثالة التمر، لا يعبأ الله بهم " (107).
ويرد الآمدى على ذلك فيقول:
"أما خبر معاذ فإنما لم ينكر فيه الإجماع لأنه ليس بحجة فى زمن النبى عليه الصلاة والسلام فلم يكن مؤخرا لبيانه مع الحاجة إليه.
وقوله -عليه الصلاة والسلام: " بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ "، لا يدل على أنه لا يبقى من تقوم الحجة بقوله، بل غايته أن أهل الإسلام هم الأقلون.
وقوله: " لا ترجعوا بعدى كفارا " فيحتمل أنه خطاب مع جماعة معينين وإن كان خطابا مع الكل فجوابه ما سبق فى آيات المناهى للأمة.
وقوله: " حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا ".. الحديث: غايته الدلالة على جواز انقراض العلماء، ونحن لا ننكر امتناع وجود الإجماع مع انقراض العلماء، وإنما الكلام فى اجتماع من كان من العلماء، وعلى هذا يكون الجواب عن باقى الأحاديث الدالة على خلو آخر الزمان من العلماء، كيف وأن ما ذكروه معارض بما يدل على امتناع خلو عصر من الأعصار عمن تقوم الحجة بقوله، وهو قوله- عليه الصلاة والسلام-: " لا تزال طائفة من أمتى على الحق- حتى يأتى أمر الله، وحتى يظهر الدجال " " وأيضا ما روى عنه أنه قال: " واشوقاه إلى إخوانى. قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟ فقال: أنتم أصحابى، إخوانى قوم يأتون من بعدى يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق ويصلحون إذا فسد الناس " (108).
قالوا: وأما المعنى المعقول الذى يدل على عدم حجية الإجماع فى نظر القائلين بذلك، فيرجع:
أولا: إلى ما ذكروه من عدم إمكانه وعدم إمكان العلم به، وعدم إمكان نقله، وقد سبق بيان الرد على ذلك.
ثانيا: إلى اعتبارهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم كغيرها من الأمم فحيث لم يعتبر إجماع أهل الملل السابقة حجة، فلا يكون إجماع أمة محمد صلى الله عليه وسلم حجة (109).
وجوابه كما ذكر الآمدى من وجهين: أحدهما: أن يقال من العلماء من اعتبر إجماع علماء من تقدم حجة قبل النسخ، فقد ذهب إلى ذلك أبو إسحاق الأسفرايينى وغيره من أصحابنا- هكذا يقول الآمدى- وجماعة من العلماء، وإذن فلم يتم لهم الاستدلال لعدم حجية إجماع من سبقنا من الملل.
الوجه الثانى: أن نسلم بأن إجماع من سبقنا من أهل الملل ليس حجة- كما هو قول الأكثرين من العلماء- ولكن هناك فرقا بيننا وبينهم، لأنه لم يرد فى حقهم من الدلالة الدالة على الاحتجاج بإجماعهم ما ورد فى علماء هذه الأمة فافترقا " (110).
وخلاصة الوجهين أننا إذا أخذنا بمذهب الأسفرايينى ومن معه فإجماعنا كإجماعهم كلاهما يحتج به وإن أخذنا بمذهب الأكثرين فإن إجماعنا قد وردت الأدلة بحجيته ولم ترد الأدلة باعتبار إجماعهم حجة، فهذا هو الفرق بين إجماعنا وإجماعهم.
وثالث المعانى المعقولة يرجع إلى ما هو مقرر من أن كل حكم لابد أن يكون ثابتا بدليل، والإجماع لا يكون فى نظر القائلين بحجيته إلا عن دليل، والدليل يغنى عنه، ثم إن بعض الأحكام الشرعية لا يكون إجماع الأمة دليلا عليها كالتوحيد، وكذلك سائر الأحكام العقلية (111).
ويرد الآمدى على ذلك بقوله:
" لا نسلم أنه إذا كان الحكم ثبت بالدليل لا يجوز إثباته بالإجماع، أى فهذا ما جرى عليه العلماء حين يقولون: هذا الحكم ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وأما التوحيد فلا نسلم أن الإجماع فيه ليس بحجة وإن سلمنا أنه لا يكون حجة فيه، بل فى الأحكام الشرعية، أى العملية لا غير، فإن بينهما فرقا، هو أن التوحيد لا يجوز فيه تقليد العامى للعالم، وإنما يرجع إلى أدلة يشترك فيها الكل، وهى أدلة العقل بخلاف الأحكام الشرعية، العملية، فإنه يجب على العامى الأخذ بقول العالم فيها، وإذا جاز أو وجب الأخذ بقول الواحد كان الأخذ بقول الجماعة أولى (112).
هذا هو كلام المنكرين بحجية الإجماع والرد عليهم، فى المسلك الأول وهو المعارضة بالكتاب والسنة والمعقول.
المسلك الثانى: مناقشتهم وتأويلهم
لأدلة الجمهور
أما مناقشتهم لأدلة الجمهور فقد تقدمت عند عرض هذه الأدلة فلا نعود اليها وأما تأويلهم للأدلة، بحملها على معان أخرى، فمثل: قولهم فى تأويل حديث " لا تجتمع أمتى على ضلالة "، فإنهم فسروا الضلالة بالكفر والبدعة ، وقالوا: لعله أراد عصمة جميعهم عن الكفر بالتأويل والشبهة، والرواية التى تقول " لا تجتمع أمتى على الخطأ " غير متواترة وإن صحت فالخطأ أيضا عام يمكن حمله على الكفر.
ويرد الغزالى على هذا بقوله:
" قلنا الضلال فى وضع اللسان لا يناسب الكفر، قال الله تعالى: " ووجدك ضالا فهدى" (113) ، وقال تعالى، إخبارا عن موسى عليه السلام: " قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين " (114) وما أراد من الكافرين، بل أراد من المخطئين، يقال: ضل فلان عن الطريق، وضل سعى فلان، كل ذلك الخطأ. كيف وقد فهم ضرورة من هذه الألفاظ تعظيم شأن هذه الأمة وتخصيصها بهذه الفضيلة.
أما العصمة عن الكفر فقد أنعم بها فى حق على وابن مسعود وأبى، وزيد، على مذهب النظام لأنهم ماتوا على الحق.
وكم من أحاد عصموا عن الكفر حتى ماتوا، فأى خاصية للأمة؟
فدل على أنه أراد ما لم يعصم عنه الآحاد، من سهو وخطأ وكذب، وتعصم عنه الأمة تنزيلا لجميع الأمة منزلة النبى صلى الله عليه وسلم فى العصمة عن الخطأ فى الدين، أما فى غير الدين من إنشاء حرب وصلح وعمارة بلدة، فالعموم يقتضى العصمة للأمة عنه أيضا، ولكن ذلك مشكوك فيه وأمر الدين مقطوع بوجوب العصمة فيه، كما فى حق النبى صلى الله عليه وسلم ، فإنه أخطأ فى أمر تدبير النخل ، ثم قال: " أنتم أعرف بأمر دنياكم،- وأنا أعرف بأمر دينكم " (115).
إلى غير ذلك من التأويلات التى لا نطيل بذكرها، وقد عنى الغزالى بإيرادها والرد عليها فى المستصفى، فمن شاء فليرجع إليه فى الموضع الذى ذكرناه.
رابعا: هل الإجماع عند القائلين بحجيته قطعى أو ظنى ؟
قال الشوكانى: " اختلف القائلون بحجية الإجماع هل هو حجة قطعية أو ظنية:
فذهب جماعة منهم إلى أنه حجة قطعية، وبه قال الصيرفى، وابن برهان، وجزم به من الحنفية الدبوسى، وشمس الأئمة.
وقال الأصفهانى: إن هذا القول هو المشهور، وأنه يقدم الإجماع على الأدلة كلها، ولا يعارضه دليل أصلا، ونسبه إلى الأكثرين.
قال: بحيث يكفر مخالفه، أو يضلل ويبدع. وقال جماعة، منهم الرازى والآمدى: أنه لا يفيد إلا الظن.
وقال جماعة بالتفصيل بين ما اتفق عليه المعتبرون فيكون حجة قطعية، وبين ما اختلفوا فيه كالسكوتى وما ندر مخالفه فيكون حجة ظنية 0
وقال البزدوى وجماعة من الحنفية: الإجماع مراتب: فإجماع الصحابة مثل الكتاب والخبر المتواتر وإجماع من بعدهم بمنزلة المشهور من الأحاديث والإجماع الذى سبق فيه خلاف فى العصر السابق بمنزلة خبر الواحد، واختار بعضهم فى الكل أنه يوجب العمل لا العلم فهذه مذاهب أربعة " (116).
وفى البزدوى وشرحه: " أن الأصل فى الإجماع أن يكون موجبا للحكم قطعا كالكتاب والسنة، فإن لم يثبت اليقين به فى بعض المواضع فذلك بسبب العوارض كالآية المؤولة وخبر الواحد " (117).
ومن أهل الهوى من لم يجعل الإجماع حجة قاطعة لأن كل واحد منهم اعتمد ما لا يوجب العلم، لكن هذا خلاف الكتاب والسنة والدليل المعقول (118).
يريد الأدلة التى استدل بها القائلون بحجيته فهى دالة على أنه حجة قاطعة فى نظره.
" فصار الإجماع كآية من الكتاب أو حديث متواتر فى وجوب العمل والعلم به فيكفر جاحده فى الأصل " (119).
" أى يحكم بكفر من أنكر أصل الإجماع بأن قال ليس الإجماع بحجة، أما من أنكر تحقق الإجماع فى حكم بأن قال لم يثبت فيه إجماع أو أنكر الإجماع الذى اختلف فيه فلا " (120).
أى كالإجماع السكوتى الذى فيه خلاف الشافعى وغيره، والمنقول بلسان الآحاد.
واعلم أن العلماء بعد ما اتفقوا على أن إنكار حكم الإجماع الظنى، كالإجماع السكوتى، والمنقول بلسان الآحاد، غير موجب للكفر، اختلفوا فى إنكار حكم الإجماع القطعى كإجماع الصحابة مثلا.
" فبعض المتكلمين، أى الذين تكلموا فى هذا الموضوع، لم يجعله موجبا للكفر بناء على أن الإجماع عنده حجة ظنية، فإنكار حكمه لا يوجب الكفر كإنكار الحكم الثابت بخبر الواحد أو القياس، وذكر هذا القائل، وهو القاضى الشوكانى- فى تصنيف له- وهو كتاب إرشاد الفحول " والعجب أن الفقهاء أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار، وأجمعوا على أن المنكر لما تدل عليه هذه العمومات لا يكفر إذا كان الإنكار لتأويل، ثم يقولون: الحكم الذى دل عليه الإجماع مقطوع به، ومخالفه كافر، فكأنهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل، وذلك غفلة عظيمة " (121).
ويستمر عبد العزيز البخارى فى كلامه فيقول: " وبعضهم جعلوه موجبا للكفر لأن الإجماع حجة قطعية كآية من الكتاب، قطعية الدلالة، أو خبر متواتر قطعى الدلالة، فإنكاره يوجب الكفر لا
محالة ".
" ومنهم من فصل فقال: إن كان الحكم المجمع عليه مما يشترك الخاصة والعامة فى معرفته، مثل أعداد الصلوات وركعاتها وفرض الحج والصيام وزمانهما، ومثل تحريم الزنا وشرب الخمر والسرقة والربا، كفر منكره لأنه صار بإنكاره جاحدا لما هو من دين الرسول قطعا، فصار كالجاحد لصدق الرسول عليه الصلاة والسلام ، وإن كان مما ينفرد الخاصة بمعرفته كتحريم تزوج المرأة على عمتها وخالتها، وفساد الحج بالوطء قبل الوقوف بعرفة وتوريث الجدة السدس، وحجب بنى الأم بالجد، ومنع توريث القاتل، لا يكفر منكره ولكن يحكم بضلاله وخطئه، لأن هذا الإجماع وإن كان قطعيا أيضا، إلا أن المنكر متأول، حيث جعل المراد من الأمة والمؤمنين جميعهم والتأويل مانع من الإكفار، كتأويل أهل الأهواء النصوص القاطعة، وتبين بهذا التفصيل أن تعجب من قال بالقول الأول، يريد الشوكانى، من الفقهاء ليس فى محله، فإنهم ما حكموا بكفر منكر كل إجماع ولم يجعلوا الفرع أقوى من الأصل، ولم يغفلوا عنه (122).
وفى شرح النسفى وملاجيون على المنار: أن الإجماع على مراتب: فالأقوى إجماع الصحابة نصا فإنه مثل الآية والخبر المتواتر فيكفر جاحده كما يكفر جاحد ما ثبت بالكتاب أو التواتر لأنه لا خلاف فيه، ففيهم عترة الرسول وأهل المدينة، ثم الذى نص البعض وسكت الباقون من الصحابة، وهو المسمى بالإجماع السكوتى، ولا يكفر جاحده وإن كان من الأدلة القطعية، أى عند الحنفية، ثم إجماع من بعدهم، أى بعد الصحابة من أهل كل عصر على حكم لم يظهر فيه خلاف من سبقهم من الصحابة، فهو بمنزلة الخبر المشهور، يفيد الطمأنينة دون اليقين، ثم إجماعهم على قول سبقهم فيه مخالف، يعنى اختلفوا أولا على قولين، ثم أجمع من بعدهم على قول واحد، فهذا دون الكل، فهو بمنزلة خبر الواحد يوجب العمل دون العلم، ويكون مقدما على القياس كخبر الواحد " (123).
وقال صاحب طلعة الشمس فى أصول الإباضية: " الإجماع القولى حجة قطعية يفسق من خالفها عند الجمهور، ولكن كونها قطعية بعد كمال شروطها وفى موضع لا يكون فيها خلاف فما وقع فيه الخلاف أنه إجماع أم غير إجماع فليس بحجة قطعية اتفاقا " (124).
"أما الإجماع السكوتى فهو حجة ظنية توجب العمل ولا تفيد العلم مثل خبر العدل، فمن خالف الإجماع السكوتى لا يحكم بفسقه على الصحيح، كما لا يحكم بفسقه من خالف خبر الآحاد، لأن التفسيق لا يكون إلا مع مخالفة الدليل القاطع " (125).
ويقول ابن لقمان فى " الكافل بنيل السول فى علم الأصول على مذهب الزيدية ".
والإجماع السكوتى الجامع للشروط حجة ظنية، وكذا القولى أن نقل آحادا، فإن تواتر فحجة قاطعة يفسق مخالفه " (126).
ومن العلماء المعترفين بحجية الإجماع من أنكر حجية ما يسمى بالإجماع السكوتى، ومنهم من أنكر أن يكون صدور القول من البعض وسكوت الآخرين، إجماعا، فهو يعارض حتى فى التسمية.
ويتلخص القول فى ذلك، على ما بينه الإسنوى فى شرحه على المنهاج كما يأتى:
1- إذا قال بعض المجتهدين قولا، وعرف به الباقون فسكتوا عنه ولم ينكروا عليه، ففيه مذاهب: أصحها عند الإمام: أنه لا يكون إجماعا ولا حجة، لما سيأتى.
ثم قال هو والآمدى أنه مذهب الشافعى، وقال فى البرهان أنه ظاهر مذهب الشافعى، وقال الغزالى فى المنخول، نص عليه الشافعى فى الجديد.
والثانى، وهو مذهب أبى على الجبائى:
أنه إجماع بعد انقراض عصرهم لأن استمرارهم على السكوت إلى الموت يضعف الاحتمال.
والثالث: قاله أبو هاشم بن أبى على: أنه ليس بإجماع لكنه حجة.
وحكى فى المحصول عن ابن أبى هريرة: أنه إن كان القائل حاكما لم يكن إجماعا ولا حجة.
وحكى الآمدى عن الإمام أحمد وأكثر الحنفية: أنه إجماع وحجة، واختار الآمدى أنه إجماع ظنى يحتج به، وهو قريب من مذهب أبى هاشم، والذى ذكره الآمدى هنا محله قبل انقراض العصر وأما بعد انقراضه فإنه يكون إجماعا على ما نبه عليه فى مسألة انقراض العصر " (127).
وفى بيان رأى الحنفية ووجهة المخالفين لهم من الشافعية، والرد عليهم يقول ملاجيون فى شرحه على المنار: " إذا اتفق بعضهم على قول أو فعل وسكت الباقون منهم، ولا يردون عليهم بعد مدة التأمل، وهى ثلاثة أيام أو مجلس العلم، ويسمى هذا إجماعا سكوتيا، فهو مقبول عندنا، أى الحنفية وفيه خلاف الشافعى رحمه الله لأن السكوت كما يكون للموافقة يكون للمهابة ولا يدل على الرضا كما روى عن ابن عباس أنه خالف عمر رضى الله عنه فى مسألة العول.
فقيل له: هلا أظهرت حجتك على عمر رضى الله عنه 0
فقال: كان رجلا مهيبا فهبته، ومنعتنى درته.
والجواب: أن هذا غير صحيح، لأن عمر رضى الله عنه كان أشد انقيادا لاستماع الحق من غيره حتى كان يقول: ولا خير فيكم ما لم تقولوا، ولا خير فى ما لم أسمع.
وكيف يظن فى حق الصحابة التقصير فى أمور الدين والسكوت عن الحق فى موضع الحاجة، وقد قال عليه السلام: "الساكت عن الحق شيطان أخرس " (128).
وهناك مناقشات غير ذلك بين الحنفية والشافعية لا نطيل بذكرها ويمكن معرفتها بالرجوع إلى شرح النسفى على المنار للحنفية (129).
وشرح الإسنوى على المنهاج للشافعية (130):
2- وهناك فرع يذكر بعد ذلك وخلاصته، كما ذكره الإسنوى: " إذا قال بعض المجتهدين قولا ولم ينتشر ذلك القول بحيث يعلم أنه بلغ الجميع ، ولم يسمع من أحد ما يخالفه، فهل يكون كما إذا قال البعض وسكت الباقون عن إنكاره أم لا.
اختلفوا فيه كما قاله فى المحصول، فمنهم من قال: يلحق به، لأن الظاهر وصوله إليهم، ومنهم من قال: لا يلحق به، لأنا لا نعلم هل بلغهم أم لا "، واختاره الآمدى.
ومنهم من قال: إن كان ذلك القول فيما تعم به البلوى أى فيما تمس الحاجة إليه، فيكون كقول البعض وسكوت الباقين، لأن عموم البلوى يقتضى حصول العلم به، وإن لم يكن كذلك فلا لاحتمال الذهول عنه ، قال الإمام: وهذا التفصيل هو الحق "(131).
من هم أهل الإجماع
المراد بأهل الإجماع من يعتبر إجماعهم إذا اتفقوا على أمر من الأمور فى عصر من الأعصار ويعتد بمخالفتهم إذا خالفوا فلا ينعقد الإجماع مع مخالفتهم.
وقد قدم الغزالى فى المستصفى لهذا الموضوع بمقدمة فقال: " الركن الأول من ركنى الإجماع المجمعون وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وظاهر هذا يتناول كل مسلم،، لكن لكل ظاهر طرفان واضحان فى النفى والإثبات، وأوساط متشابهة:
أما الواضح فى الإثبات فهو كل مجتهد مقبول الفتوى، فهو من أهل الحل والعقد قطعا، ولابد من موافقته فى الإجماع، وأما الواضح فى النفى، فالأطفال والمجانين والأجنة، فإنهم وإن كانوا من الأمة فنعلم أنه عليه الصلاة والسلام ما أراد بقوله: " لا تجتمع أمتى على الخطأ " إلا من يتصور منه الوفاق والخلاف فى المسألة بعد فهمها، فلا يدخل فيه من لا يفهمها، وبين الدرجتين العوام المكلفون، والفقيه الذى ليس بأصولى، والأصولى الذى ليس بفقيه، والمجتهد الفاسق، والمبتدع، والناشىء من التابعين مثلا، إذا قارب رتبة الاجتهاد فى عصر الصحابة " (132).
ثم أفرد الغزالى لكل من هؤلاء الذين ذكر أنهم بين الدرجتين بحثا.
ونحن نتبع ترتيبه، مفردين لكل منهم بحثا، غير متقيدين برأى الغزالى وحده فى الموضوع:
أولا: دخول العوام فى الإجماع
يرى الغزالى أنه " يتصور دخول العوام فى الإجماع، فإن الشريعة تنقسم إلى ما يشترك فى دركه العوام والخواص كالصلوات ا لخمس، ووجوب الصوم، والزكاة، والحج، فهذا مجمع عليه، والعوام وافقوا الخواص فى الإجماع، وإلى ما يختص بدركه الخواص، فتفصيل أحكام الصلاة والبيع والتدبير والاستيلاد، فما أجمع عليه الخواص فالعوام متفقون على أن الحق فيه ما أجمع عليه أهل الحل والعقد لا يضمرون فيه خلافا أصلا، فهم موافقون أيضا فيه، ويحسن تسمية ذلك إجماع الأمة قاطبة.
فإذا كل مجمع عليه من المجتهدين فهو مجمع عليه من جهة العوام وبه يتم إجماع الأمة.
فإن قيل: فلو خالف عامى فى واقعة أجمع عليها الخواص من أهل العصر، فهل ينعقد الإجماع دونه؟
إن كان ينعقد فكيف خرج العامى من الأمة، وإن لم ينعقد فكيف يعقد بقول العامى؟
قلنا: قد اختلف الناس فيه، فقال قوم:
لا ينعقد، لأنه من الأمة فلابد من تسليمه بالجملة أو بالتفصيل.
وقال آخرون- وهو الأصح- إنه ينعقد بدليلين:
أحدهما: إن العامى ليس أهلا لطلب الصواب، إذ ليس له آلة هذا الشأن، فهو كالصبى والمجنون فى نقصان الآلة، ولا يفهم من عصمة الأمة من الخطأ إلا عصمة من يتصور منه الإصابة، لأهليته.
والثانى- وهو الأقوى- أن العصر الأول من الصحابة قد أجمعوا على أنه لا عبرة بالعوام فى هذا الباب، أعنى خواص الصحابة وعوامهم، ولأن العامى إذا قال قولا علم أنه يقوله عن جهل، وأنه ليس يدرى ما يقول، وأنه ليس أهلا للوفاق والخلاف فيه، وعن هذا لا يتصور صدور هذا من عامى عاقل، لأن العاقل يفوض مالا يدرى إلى من يدرى (133).
ويقول عبد العزيز البخارى فى حاشيته على كشف الأسرار: " اعلم أن الإجماع إنما صار حجة بالنصوص الواردة بلفظ " الأمة " مثل قوله تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا ".
وقوله جل ذكره " كنتم خير أمة أخرجت للناس ".
وقوله عليه الصلاة والسلام: " لا تجتمع أمتى على الضلالة " وهذا اللفظ يتناول بظاهره كل مسلم.
ثم ذكر ما ذكره الغزالى عن الطرفين الواضحين فى النفى والإثبات، وأن الأطفال والمجانين والأجنة، لا يدخلون، وأضاف إليهم من سيولد إلى يوم القيامة، لأنه وإن كان اللفظ ظاهرا فيه، فإن ما دل على كون الإجماع حجة دل على وجوب التمسك به، ولا يمكن التمسك بقول الكل قبل يوم القيامة لعدم كمال المجمعين، ولا فى يوم القيامة لانقطاع التكليف.
ثم ذكر أن أهلية الإجماع إنما تثبت بصفة الاجتهاد والاستقامة فى الدين عملا واعتقادا، لأن النصوص التى جعلت الإجماع حجة تدل على اشتراط ذلك (134).
ويقول ملاجيون الحنفى فى شرحه علي المنار: " أهل الإجماع من كان مجتهدا صالحا، إلا فيما يستغنى عن الرأى، فإنه لا يشترط فيه أهل الاجتهاد بل لابد فيه من اتفاق الكل من الخواص والعوام حتى لو خالف واحد منهم لم يكن إجماعا كنقل القرآن وأعداد الركعات ومقادير ا لزكاة، واستقراض الخبز، والاستحمام، وقال أبو بكر الباقلانى: إن الاجتهاد ليس بشرط فى المسائل الاجتهادية أيضا ويكفى قول العوام فى انعقاد الإجماع.
والجواب أن عليهم أن يقلدوا المجتهدين، ولا يعتبر خلافهم فيما يجب عليهم من التقليد (135).
واختار الآمدى أن موافقة العامى ومخالفته لها اعتبار فى الإجماع، موافقا فى ذلك القاضى أبا بكر الباقلانى.
قال: " وذلك لأن قول الأمة إنما كان حجة لعصمتها عن الخطأ بما دلت عليه الدلائل السمعية من قبل ولا يمتنع أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية من الخاصة والعامة، وإذا كان كذلك فلا يلزم أن تكون العصمة الثابتة للكل ثابتة للبعض، لأن الحكم الثابت للجملة لا يلزم أن يكون ثابتا للأفراد ".
" وبالجملة فهذه المسألة اجتهادية، غير أن الاحتجاج بالإجماع عند دخول العوام فيه يكون قطعيا وبدونهم يكون ظنيا " (136)
وفى روضة الناظر فى أصول الحنابلة:
مثل ما أوردناه نقلا عن الغزالى دون مخالفة له (137).
ومثل ذلك أيضا فى مختصر ابن الحاجب المالكى، وشرح العضد عليه (138).
وفى شرح ابن لقمان على الكافل فى أصول الزيدية أنه " لا يعتبر فى الإجماع موافقة المقلد ولا مخالفته " (139) فهو مختص بالمجتهدين.
وفى حاشيته: " والمراد بالمجتهدين من كان يتمكن من النظر ولو فى بعض المسائل لأن الاجتهاد يتجزأ " (140). وفى طلعة الشمس، فى أصول الإباضية:
" ويخرج، أى بقيد المجتهدين، عوام الأمة الذين لا نظر لهم فى شىء من الشرعيات، وإنما يأخذون الأحكام عن علمائهم بطريق الاتباع والتقليد فلا يقدح خلافهم فى صحة الإجماع، ولا يعتبر وفاقهم فى صحته أيضا، وقيل: يعتبر وفاق العوام فى صحة الإجماع، لأن دليل الإجماع، لما اقتضى بظاهره دخول العوام احتمل أنه لا يتم قول العلماء إجماعا إلا بانقياد العوام لهم وإجابتهم إلى ذلك القول، ولو لم يكن عن اعتقاد لظاهر الأدلة، ولا مانع من وقوف كون الإجماع حجة شرعية على إجابة العوام إذ لا طريق للعقل إلى كونه حجة، وإنما يقتضيه الشرع فقط، ويجوز أن يكون فى انقيادهم للعلماء تمام كون قولهم حجة لوجه يعلمه الله تعالى ولا نعلمه فى المصالح الشرعية، ونقطع بذلك لأجل ورود العموم ولم يرد له مخصص، فلو لم يكن على عمومه خصصه الشرع ورد بأنه لما علمنا أنه لا تأثير للإجماع إلا حيث يكون للمجمعين مستند من دليل أو إمارة علمنا أنه لا تأثير لقول من لا مستند له (141) ".
ثانيا: دخول الأصوليين وفقهاء
الفروع، والنحويين وغيرهم
ممن لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد المطلق
يصور الغزالى خلاف العلماء فى ذلك فيقول: إذا قلنا: لا يعتبر قول العوام، لقصور آلتهم، فرب متكلم ونحوى ومفسر ومحدث هو ناقص الآلة فى درك الأحكام.
فقال قوم: لا يعتد إلا بقول أئمة المذاهب المستقلين بالفتوى، كالشافعى، ومالك، وأبى حنيفة وأمثالهم من الصحابة والتابعين.
ومنهم من ضم إلى الأئمة، الفقهاء الحافظين لأحكام الفروع، الناهضين بها، لكن أخرج الأصولى الذى لا يعرف تفاصيل الفروع ولا يحفظها (142).
ويزيد الآمدى علي هذا مستكملا فيقول: ومنهم من عكس الحال وأعتبر قول الأصولى دون
الفقيه (143).
وبالنسبة لغير الأصولى والفقيه فى الفروع، يقرر المقدسى فى روضة الناظر أن من يعرف من العلم ما لا أثر له فى معرفة الحكم كأهل الكلام واللغة والنحو ودقائق الحساب، فهو كالعامى لا يعتد بخلافه فإن كل أحد عامى بالنسبة إلى ما لم يحصل علمه وإن حصل علما سواه، هذا فيمن علمه لا أثر له فى معرفة الحكم، أما إذا كان الكلام فى مسألة تنبنى على النحو مثلا، مثل أن يبنى النحوى مسائل الشرط فى الطلاق على باب الشرط والجزاء فى العربية، ففى الاعتداد بخلافه أو عدم الاعتداد به رأيان (144).
ورجح الغزالى من هذه الآراء: أنه يعتد بخلاف الأصولى وبخلاف الفقيه المبرز، لأنهما أهل للنظر على الجملة، يقولان ما يقولان عن دليل، أما النحوى والمتكلم فلا يعتد بهما إلا أن يقع الكلام فى مسألة تنبنى على النحو أو على الكلام، وهو يميل إلى اعتبار الأصولى أولى فى الاعتداد به من فقيه الفروع فيقول:
والصحيح أن الأصولى العارف بمدارك الأحكام وكيفية تلقيها من المفهوم والمنظوم، وصيغة الأمر والنهى والعموم، وكيفية تفهم النصوص والتعليل أولى بالاعتداد بقوله من الفقيه الحافظ للفروع، بل ذو الآلة من هو متمكن من درك الأحكام إذا أراد وإن لم يحفظ الفروع، والأصولى قادر عليه والفقيه الحافظ للفروع - أى الذى ليس تبريز فى الفقه والترجيح مع حفظه للفروع- لا يتمكن منه وآية أنه لا يعتبر حفظ الفروع: أن العباس والزبير وطلحة وسعدا وعبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبا عبيدة ابن الجراح وأمثالهم ممن لم ينصب نفسه للفتوى، ولم يتظاهر بها تظاهر العبادلة (145).
وتظاهر على وزيد بن ثابت ومعاذ، كانوا يعتدون بخلافهم لو خالفوا، وكيف لا وقد كانوا صالحين للإمامة العظمى، ولاسيما لكون أكثرهم فى الشورى، وما كانوا يحفظون الفروع، بل لم تكن الفروع موضوعة بعد، لكن عرفوا الكتاب والسنة وكانوا أهلا لفهمهما، فينبغى أن يعتد بخلاف الأصولى وبخلاف الفقيه المبرز (146).
وحكى عبد العزيز البخارى الخلاف فى اعتبار الأصولى والفقيه الفروعى، فذكر أن من العلماء من اعتبر الأصولى دون الفروعى، ومنهم من اعتبر الفروعى دون الأصولى، ومنهم من اعتبرهما جميعا، ومنهم من نفاهما جميعا.
وقال: إن الرأى الأخير هو ما يشير إليه كلام الشيخ- أى البزدوى- نظرا إلى عدم الأهلية فيهما وهى المعتبرة والموجودة فى أهل فى أئمة الحل والعقد من المجتهدين (147).
ويرى ابن الحاجب المالكى عدم الاعتداد بوفاق المقلد، أى أن الإجماع ينعقد بدونه فلا ينتظر وفاقه ولو كان قد حصل طرفا من العلوم التى لها مدخل فى الاجتهاد،أصوليا كان أو فروعيا أو
غيرهما (148).
وكذلك الزيدية فإنهم يقولون: لا اعتبار بالمقلد فى الإجماع سواء وافق أو خالف على الأرجح (149).
وهذا هو ما رجحه أيضا المقدسى الحنبلى فى روضة الناظر (150).
ثالثا: المجتهد الفاسق أو المبتدع
لا يعتد فى الإجماع بقول غير مسلم، فلا يعتد باليهود ولا بالنصارى، ولا بالمرتدين عن الإسلام رغبة عنه، ولا بالمنكرين لما علم من الدين بالضرورة من غير شبهة.
وذلك لأن الإجماع هو اتفاق الأمة أو مجتهدى الأمة، وهؤلاء ليسوا من الأمة.
أما الفاسق باعتقاد أو فعل، ففى الاعتداد به فى الإجماع خلاف وتفصيل.
فالحنفية يقولون، كما فى كشف الأسرار للبزدوى: " إن أهلية الإجماع إنما تثبت بأهلية الكرامة وذلك لكل مجتهد ليس فيه هوى ولا فسق، أما الفسق فيورث التهمة ويسقط العدالة، وبأهلية أداء الشهادة، وصفة الأمر بالمعروف ثبت هذا الحكم، وأما الهوى، فإن كان صاحبه يدعو الناس إليه، فقد سقطت عدالته بالتعصب الباطل، وبالسفه، وكذلك أن مجن به، وكذلك أن غلا حتى كفر.
وصاحب الهوى المشهور- به ليس من الأمة على الإطلاق (151).
ويوضح ذلك شارحه عبد العزيز البخارى فيقول:
" إن أهلية الإجماع ثبتت بصفة الاجتهاد والاستقامة فى الدين عملا واعتقادا، لأن النصوص والحجج التى جعلت الإجماع حجة تدل على اشتراط هذه المعانى: أما اشتراط الاستقامة عملا، وهى العدالة فلأن حكم الإجماع وهو كونه ملزما إنما ثبت بأهلية أداء الشهادة كما قال تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء عل الناس ".
وبصفة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كما قال عز وجل: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" لأنهما يوجبان اتباع الآمر بالمعروف والناهى ، فيما يأمر وينهى، إذ لو لم يلزم الاتباع لا يكون فيهما فائدة، وإنما يلزم اتباع العدل المرضى فيما يأمر به وينهى عنه دون غيره، لأن ذلك بطريق الكرامة، والمستحق للكرامات على الإطلاق من كان بهذه الصفة، والفسق يسقط العدالة فلم يبق به أهلا لأداء الشهادة، ولا يوجب اتباع قوله لأن التوقف فى قوله واجب بالنص، يقصد قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (152).
وذلك ينافى وجوب الاتباع ويورث التهمة لأنه لما لم يتحرز من إظهار فعل " ما يعتقده باطلا، لا يتحرز من إظهار قول يعتقده باطلا، فثبت أن الفاسق ليس من أهل الإجماع، وأنه لا اعتبار لقوله وافق أم خالف.
وأما اتباع الهوى والبدعة فمانع أيضا من أهلية الإجماع، بشرط أن يكون صاحبه داعيا إليه، أو ماجنا به، أو غاليا فيه بحيث يكفر به، فإنه إذا كان يدعو الناس إلى معتقده، سقطت عدالته لأنه يتعصب لذلك حينئذ تعصبا باطلا حتى يوصف بالسفه، فيصير متهما فى أمر الدين فلا يعتبر قوله فى الإجماع.
وكذلك إن مجن بالهوى، أى لم يبال بما قال وما صنع وما قيل له، لأن ترك المبالاة مسقط للعدالة أيضا.
وكذلك إن غلا فيه حتى وجب إكفاره به، فلا يعتبر خلافه ووفاقه لعدم دخوله فى مسمى الأمة المشهود لها بالعصمة وإن صلى إلى القبلة، واعتقد نفسه مسلما لأن الأمة ليست عبارة عن المصلين إلى القبلة،بل عن المؤمنين وهو كافر وإن كان لا يدرى أنه كافر" (153).
وبعض الشافعية كأبى إسحاق الشيرازى وإماما الحرمين (154)، والآمدى يرون أنه لا ينعقد الإجماع دون المجتهد الفاسق ببدعته أو بفعله، إلا إذا كفر ببدعته، كذلك لأنه من أهل الحل والعقد، وداخل فى مفهوم لفظ الأمة المشهود لهم بالعصمة، وغايته أن يكون فاسقا وفسقه غير مخل فى نظرهم بأهلية الاجتهاد، والظاهر من حاله فيما يخبر به من اجتهاده الصدق، كإخبار غيره من المجتهدين، كيف وإنه قد يعلم صدق الفاسق بقرائن أحواله فى مباحثاته وأقواله، وإذا علم صدقه وهو مجتهد كان كغيره من المجتهدين " (155).
وممن قال بذلك من الشافعية أيضا: الغزالى، فإنه قال فى المستصفى:
" المبتدع إذا خالف لم ينعقد الإجماع دونه إذا لم يكفر بل هو كمجتهد فاسق وخلاف المجتهد الفاسق معتبر (156).
وهناك رأى ثالث فى المجتهد المبتدع الذى لم يكفر ببدعته، وهو: أن الإجماع لا ينعقد فى حقه إذا خالف، وينعقد فى حق غيره، أى أنه يجوز له مخالفة إجماع من عداه، ولا يجوز ذلك لغيره، فلا يكون الاتفاق مع مخالفته حجة عليه، ويكون حجة على من سواه (157).
ونسب هذا القول إلى بعض الشافعية (158).
وممن قال بمذهب الحنفية ابن الحاجب وشارح مختصره (159)، وهو الظاهر أيضا عند الحنابلة(160).
وبذلك أيضا قال الإباضية (161).
وأما الزيدية فعندهم رأيان:
أحدهما عدم اعتبار كافر التأويل وفاسقه معا، وذكروا أنه مروى عن جمهور أئمتهم، والرأى الآخر الاعتبار بهما فلا ينعقد من دونهما " إجماع " وهو مروى عن بعض أئمتهم أيضا (162).
رابعا: لا يختص الإجماع بالصحابة عند الجمهور: إجماع الصحابة حجة بلا خلاف، ولا يعتد العلماء بما يروى عن بعض المبتدعة من أنه ليس بحجة.
والخلاف إنما هو فى اختصاص حجية الإجماع بإجماع الصحابة.
فقد ذهب إلى ذلك الظاهرية (163)، وأحمد ابن حنبل فى إحدى الروايتين عنه (164).
قال الظاهرية: إن الإجماع هو إجماع الصحابة فقط وليس لمن بعدهم أن يكون إجماعه حجة، لأن الإجماع إنما يكون عن توقيف، والصحابة هم الذين شهدوا التوقيف (165)، أى الإعلام الشخصى.
وفى رواية لأبى داود عن أحمد بن حنبل: الإجماع أن نتبع ما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة، وهو فى التابعين مخير.
وقد نقل عن أبى حنيفة مثل ذلك إذ يقول: إذا أجمعت الصحابة على شىء سلمنا، وإذا أجمع التابعون زاحمناهم (166).
وجمهور علماء المذاهب يخالفونهم فى ذلك، ويرون أن الإجماع ليس خاصا بالصحابة رضوان الله عليهم بل هو فى كل عصر.
ِِقرر ذلك الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والإباضية (167).
والحجة التى تذكر للقائلين بأن الإجماع هو إجماع الصحابة فقط تتلخص فى أن الإجماع إنما صار حجة بصفة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والصحابة هم الأصول فى ذلك، لأنهم كانوا هم المخاطبين بقوله تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ". وبقوله تعالى: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس " دون غيرهم، إذ الخطاب يتناول الموجود دون المعدوم، وكذلك قوله تعالى: " ويتبع غير سبيل المؤمنين " وقوله عليه الصلاة والسلام: " لا تجتمع أمتى على الضلالة " خاص بالصحابة الموجودين فى زمن النبى- صلى الله عليه وسلم-، إذ هم كل المؤمنين، وكل الأمة، لأن من لم يوجد بعد لا يكون موصوفا بالإيمان، فلا يكون من الأمة، ولأنه لابد فى الإجماع من اتفاق الكل، والعلم باتفاق الكل لا يحصل إلا عند مشاهدة الكل، مع العلم بأنه ليس هناك أحد سواهم، وذلك لا يتأتى إلا فى الجمع المحصور كما فى زمان الصحابة، أما فى سائر الأزمنة فيستحيل معرفة اتفاق جميع المؤمنين على شىء مع كثرتهم وتفرقهم فى مشارق الأرض ومغاربها، ولأن الصحابة أجمعوا على أن كل مسألة لا تكون مجمعا عليها يسوغ فيها الاجتهاد، فلو أجمع غيرهم فى مسألة من هذا النوع لخرجت بهذا الإجماع الجديد عن أن تكون محلا للاجتهاد، وبذلك يكون معنا إجماعان:
أحدهما: إجماع الصحابة، والثانى: إجماع من بعدهم، وهما متناقضان فى أن المسألة محل للاجتهاد أو ليست محلا للاجتهاد، هذه هى حجتهم وقد رد عليهم الجمهور بأن النصوص الموجبة لكون الإجماع حجة تتناول الموجودين فى ذلك الزمان ومن يأتى بعدهم، وإلا لزم ألا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موجودا عند ورود تلك النصوص، لأن إجماعهم حينئذ ليس إجماع جميع المخاطبين وقت ورودها، وقد أجمعوا على صحة إجماع من بقى من الصحابة بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، وبعد من مات بعده من الصحابة، وليس ذلك إلا لأن الماضى غير معتبر، كما أن الآتى غير منتظر.
وقولهم: أن العلم باتفاق الكل لا يحصل إلا عند مشاهدة الكل، فاسد أيضا، لأن حاصله يرجع إلى تعذر حصول الإجماع فى غير زمان الصحابة، وهذا لا نزاع فيه وإنما النزاع فى أنه لو حصل كان حجة وكذا شبهتهم الثالثة، فهى فاسدة أيضا ، لأنه لو صح ما قالوا لزم امتناع إجماع الصحابة على المسائل الاجتهادية بعين ما ذكروا وهو باطل لإجماعهم على كثير من المسائل الاجتهادية، ولئن سلمنا إجماعهم على تجويز الاجتهاد فى مسألة اجتهادية فهو مشروط بعدم الإجماع الذى قد يجد وحينئذ لا يلزم التعارض، لأن الإجماع إذا وجد على حكم المسألة زال شرط الإجماع السابق على تجويز الاجتهاد فيها، فيزول ذلك الإجماع بزوال شرطه (168).

__________

(1 ) يونس:71.
(2 ) انظر مادة جمع فى الكتب اللغوية التى ذكرناها.
(3 ) ص 173 ج1 من المستصفى للغزالى طبع المطبعة الأميرية سنة1324 هجرية .
(4 ) ص67 من كتاب إرشاد الفحول للشوكانى طبعة مطبعة السعادة بمصر سنه 1327 هجرية .
(5 ) انظر هداية العقول إلى غاية السول وحواشيه ص 490 ج1 وهو من كتب الزيدية للحسين بن القاسم بن محمد المطبوع بمطبعة المعارف المتوكلية بصنعاء اليمن سنة 1359 هجرية .
(6) ص 211 ج 2 من شرح مسلم الثبوت المطبوع مع المستصفى بالمطبعة السالفة الذكر.
(7 ) ص173 ج1 من المستصفى.
(8) ص 281 ج 1 من الأحكام للأمدى.
(9 ) ص 282 ج1 من الأحكام للأمدى.
(10) 103 ج 2 من شرح النسفى على المنار المطبوع بالمطبعة الأميرية سنة 1316 هجرية .
(11) ص947 ج 3 من حاشية كشف الأسرار المطبوعة باستانبول سنة 1307 هجرية .
(12) ص 108 من الجزء. الأول من كتاب الذخيرة المطبوع بكلية الشريعة بجامعة الأزهر سنة 1381 هجرية سنه 1961 م 0
(13 ) ص 1 33 ج 2 روضة الناظر، المطبوع بالمطبعة السلفية بمصر سنه 1342 هجرية .
(14) انظر حاشية روضة الناظر المذكور ص 322، ج1.
(15) ج2 ص 5 6 من شرح طلعة الشمس، المطبوع بمطبعة الموسوعات بعصر.
(16 ) ص8 6 من إرشاد الفحول.
(17 ) ج 2 ص 11 2 من شرح مسلم الثبوت.
(18) ج 4 ص 149 من الأحكام لابن حزم المطبوع بمطبعة السعادة بمصر سنة 1345 هجرية .
(19) انظر هداية العقول إلى غاية السول من كتب الزيدية للحسين بن القاسم بن محمد صفحة 490 وما بعدها، وقد سبقت الإشارة إلى المطبعة وسنة الطبع، وانظر أيضا كتاب " الكاشف لذوى العقول عن وجوه معانى الكافل بنيل السول " فى أصول الزيدية المطبوع بصنعاء سنة 1346 هجرية .
(20) الرياض الناضرة فى أحكام العترة الطاهرة ص 5 3 وما بعدها، ص 49 من كتاب فوائد الأصول للشيخ مرتضى الانصارى الشيعى الإمامى، وهو مطبوع بالحجر سنة1374 هجرية بمدينة قم.
(21) المصدر السابق.
(22) ج1 ص173 من المستصفى للغزالى.
(23) المصدر السابق.
(24) ج 1ص 1 28 من الأحكام للأمدى.
(25) ج1 ص335 من روضة الناظر.
(26) ص74 من كتاب طلعة الشمس.
(27) ص 103 ، 104 من الجزء الثانى من شرح المنار السابق ذكره، شرح نور الأنوار.
(28) حاشية قمر الأقمار على نور الأنوار ص103ج2.
(29) شرح المنار للنسفى ص104ج2
(30) انظر مختصر ابن الحاجب ج2 ص 29 طبع المطبعة الأميرية سنة 1316 هجرية وغيرهذا من كتب الأصول.
(31) المستصفى للغزالى ص 173 ج1 ، ومسلم الثبوت وشرحه ص 312ج2 والأحكام للأمدى ص283 ج1 وغير ذلك من كتب المذاهب الستة المذكورة.
(32) انظر هداية العقول إلى غاية السول (الحاشية) ص 492 ج 2، وانظر ص860 من شرح الإسنوى على المنهاج بحاشية الشيخ بخيت ج 3 طبع السلفية بمصر سنة 1345 هجرية وغير ذلك.
(33) المستصفى للغزالى ص 173 ج 1.
(34) روضةالناظر وشرحه فى أصول الحنابلة ص 1 33 ج1
(35) المستصفى للغزالى فى الموضع نفسه.
(36) إرشاد الفحول للشوكانى ص 68.
(37) هداية العقول إلى غاية السول ص 492 ج 2، وإرشاد الفحول للشوكانى ص8 6.
(38) طلعة الشمس فى أصول الإباضية ص73، ج 2
(39) المرجع السابق.
(40) المراجع نفسها.
(41) المستصفى ج ا ص173
(42) الأحكام للأمدى ص283 ج1.
(43) الأحكام للأمدى ص 284 ج1.
(44) ص 68 ، 69 من إرشاد الفحول للشوكانى.
(45) المستصفى ص 174 ج ا.
(46) ص 5 28ج1 من الأحكام للآمدى.
(47) راجع ص 30 ج 2 من شرح القاضى على مختصر ابن الحاجب وص 69 من إرشاد الفحول وغيرها.
(48) ص 212 ج 2 من شرح مسلم الثبوت.
(49) ص 858 ج 3 من شرح الإسنوى على المنهاج.
(50 ) راجع فى هذا وفى الشرح ص496 ج 2 من هداية العقول قى أصول الزيدية.
(51 ) ص77 من إرشاد الفحول.
(52 ) انظر ص147ج4 وما بعدها من الأحكام لابن حزم الظاهرى.
(53 ) ص 286 ج1 من الأحكام للآمدى.
(54 ) ص213 ج 2 من مسلم الثبوت وشرحه.
(55) ص860، 862 ج 3 من شرح الإسنوى على المنهاج وقد جاء مثل ذلك فى هداية العقول للزيدية ص497 ج 2
(56 ) شرح طلعة الشمس ص77، 78 ج 2.
(57 ) ص 286 ج 1 من الأحكام للآمدى.
(58 ) المستصفى للغزالى ص174ج 1 وإرشاد الفحول ص70.
(59 ) المصدر السابق إرشاد الفحول ص70، وممن أسقط الاستدلال بالمفعول صاحب هداية العقول الزيدى ص8 29 ج 2.
(60 ) سورة النساء: 115
(61 ) هذا الكلام للإسنوى فى شرحه على المنهاج ص 862 ج 3 وقد ذكر معناه الآمدى فى الأحكام ص286 ج 1 والشوكانى فى إرشاد الفحول ص 70 وأورده بنصه صاحب هداية العقول فى أصول الزيدية ص 499 ج 2، وجاء بمعناه أيضا فى مسلم الثبوت وشرحه ص214 ج 2، وفى شرح المنار فى أصول الحنفية ص 109 ج 2 وغير ذلك.
(62) إرشاد الفحول ص 1 7.
(63 )المستصفى ج1 ص 5 17.
(64 ) ص 499،، 500 من هداية العقول فى أصول الزيدية.
(65) سورة البقرة: 143.
(66 ) سورة القلم: 28.
(67 ) شرح الإسنوى على المنهاج ص 873، 874 ج 3 والأحكام للآمدى ص 302 ج1 وهداية العقول للزيدية ص 501 ج 2 وشرح المنار ص 109 ج 2.
(68 ) ص 874 ج 3 من شرح الإسنوى.
(69 ) ص 73 من إرشاد الفحول.
(70 ) انظر شرح طلعة الشمس فى أصول الإباضية ص97 ج 2.
(71 ) مسلم الثبوت وشرحه ص 216 ، 217 ج 2.
(72 ) سورة آل عمران: 110.
(73) سورة يونس: 32.
(74) إرشاد الفحول ص 74 وشرح المنار ص 109ج 2.
(75) إرشاد الفحول ص 74.
(76) سورة آل عمران: 103.
(77) الأحكام للآمدى ص 309 ، 310ج1
(78 ) الأحكام للآمدى ص309 وما بعدها ج1.
(79) سورة النساء:590.
(80 ) الأحكام للآمدى ص 311 ج 1 0
(81 ) ص 312 ج1 للأحكام.
(82) المستصفى ص 175ج 1
(83 ) خرجت هذه الأحاديث وبينت درجاتها فى كتاب هداية العقول إلى غاية السول فى أصول الزيدية للحسين بن القاسم حينما استدل بها على حجية الإجماع وذلك فى صفحة 503 ج 2 وما بعدها. كما خرج الكثير منها شارح روضة الناظر فى أصول الحنابلة ص 338ج 1 وما بعدها فمن شاء فليرجع إليهما.
(84 ) المستصفى للغزالى ص 5 17، 176ج 1، وقد جاء مثله فى ص 313 ج1 وما بعدها من الأحكام للآمدى ومثله أيضا فى روضة الناظر للحنابلة ص 8 33 ج1 وما بعدها.
(85 ) ص 215، 216 من مسلم الثبوت وشرحه ج2 وقد نقل مثله الإسنوى فى شرحه ص 875 ج 3.
(86) ص 319 ج 1من الأحكام للآمدى.
(87) ص 213 من شرح مسلم الثبوت ج 2.
(88 ) ص 32 ج 1 من الأحكام للآمدى.
(89) ص 180 من المستصفى للغزالى ج 1.
(90) سورة النحل: 89.
(91) الأحكام للآمدى ص 290 ج1.
(92) ابن الحاجب وشرحه ص 32 ج 2.
(93) الأحكام للآمدى ص 299 ج 1.
(94 ) شرح مختصر ابن الحاجب ص 32 ج 2.
(95 ) سورة النساء: 59.
(96 ) المصدر نفسه.
(97) الآمدى ص 299 ج 1.
(98 ) المرجع نفسه من شرح العضد على ابن الحاجب.
(99 ) ص 217 ج 2 من شرح مسلم الثبوت.
(100 ) سورة البقرة: 188.
(101 ) سورة الإسراء:33
(102 ) سورة الأعراف: 33
(103) سورة الأنعام: 35.
(104 ) سورة الزمر: 65.
(105) ص 300 ج1 من الأحكام للآمدى.
(106) جاء فى لسان العرب: " القذة سن السهم "، وفى الحديث " لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة "، يعنى كما تقدر كل واحدة منهن- أى كل قذة من القذذ- على صاحبتها وتقطع " انتهى، والحذوة قطع الشىء على مثال شىء آخر.
(107) ص290 ، 291 ج 2 من الأحكام للآمدى.
(108) ص 300 ج 1 عن الأحكام للآمدى وما بعدها.
(109) ص 291 ج ا من الأحكام للآمدى.
(110 ) ص 301 ج 1 من الأحكام للآمدى.
(111) ص 291 ج 1 من الأحكام للآمدى.
(112) ص 302 ج 1 من الأحكام للآمدى.
(113) سورة الضحى: 7.
(114) سورة الشعراء: 20.
(115 ) انظر فى تأويلهم والرد عليهم كلام الغزالى فى المستصفى ص178 ج 1 0
(116 ) ص 74، 75 من إرشاد الفحول.
(117) ص 971 ج 3 (انظر الحاشية لعبد العزبز البخارى ).
(118) ص 972 ج 3 " انظر كشف الأسرار ".
(119) ص 981 ج 3 " انظر كلام صاحب الكشف".
(120 ) ص 981 ج 3 ، انظر الشرح لعبد العزيز البخارى.
(121) ص 73 من إرشاد الفحول هذا نصه وقد نقله عبد العزيز البخارى فى كلامه هنا 0
(122 ) ص ا98، 982 من حاشية عبد العزيز البخارى ج 3.
(123 ) ص 111، 112 من شرح المنار ج 2 بكل من النسفى وملاجيون 0
(124) ص 66، ج 2 من طلعة الشمس.
(125) ص 72 ج 2 من طلعة الشمس.
(126 ) ص83، 84 من الكافل بنيل السول وشرحه، وقد تقدم ذكر طبعته.
(127) ص 909 من شرح الإسنوى على المنهاج ج 3.
(128 ) ص 105 من شرح المنار ج 2.
(129 ) ص 104، 105 من شرح النسفى على المنار وما بعدها.
(130 ) ص 911 ج 3 من شرح الإسنوى على المنهاج وما بعدها.
(131 ) ص915، 916 من شرح الإسنوى على المنهاج ج 3
(132) المستصفى للغزالى ص 181، ج1.
(133 ) ص 181، 182 من المستصفى ج1.
(134 ) ص956 ج3 وما بعدها من حاشية عبد العزيز البخارى على كشف الأسرار.
(135) ص 105، 106 ج2 من شرح المنار.
(136 ) ص 322، 325 ج 1 من الأحكام للآمدى.
(137) ص347 ج1 من روضة الناظر.
(138) ص33 من الشرح المذكور.
(139) ص 71 من الشرح المذكور.
(140) نفس الموضع.
(141 ) ص 77 ج 2 من طلعة الشمس.
(142 ) المستصفى ص 182 ج1.
(143 ) الأحكام للآمدىج1 ص386.
(144 ) روضة الناظر ص350، 351 ج1.
(145 ) العبادلة: كما قال صاحب القاموس- هم:عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص وليس منهم عبد الله بن مسعود، كما قال فى القاموس: وغلط الجوهرى- أى فى عده ابن مسعود من العبادلة- والصحيح أن الجوهرى لم يعده منهم ولعل نسخة محرفة من الصحاح وقعت لصاحب القاموس فيها، ذلك مع أن جميع نسخه ليس فيها ذلك، انتهى. شارح القاموس.
(146 ) ص183 ج1 من المستصفى.
(147 ) حاشية عبدالعزيز البخارى على كشف الأسرار ص960ج 3
(148) ص33 ج 2 من المختصر وشرحه للعضد.
(149 ) ص 491، 560 من شرح هداية العقول ج1.
(150) ص 352 ج1 من روضة الناظر.
(151) ص 956ج3 من كشف الأسرار.
(152 ) سورة الحجرا ت: 6.
(153) ص7 ه 9، 8 ه 9 من حاشية عبد العزيز البخارى ج 3.
(154) المرجع السابق من الموضع نفسه
(155) ص 326ج1 من الأحكام للآمدى.
(156) ص 183 ج 1 من المستصفى.
(157 ) ص6 32 ج1 من الأحكام للآمدى، ص 33 ج 2من شرح مختصر ابن الحاجب للعضد.
(158) ص958 من حاشية عبد العزير البخارى ج 3.
(159) ص 33 ج 2 من مختصر ابن الحاجب وشرحه.
(160) ص 353 ج1 من روضة الناظر.
(161 ) ص 5 7 من شرح طلعة الشمس ج 2.
(162) شرح هداية العقول للزيدية ص 563ج1.
(163 ) الآمدى فى الأحكام ص 328ج1 وابن حز م فى كتابه الأحكام ص149 ج4.
(164 ) الآمدى فى الموضوع نفسه.
(165 ) إرشاد الفحول للشوكانى ص77.
(166) المرجع السابق.
(167 ) راجع فى مذهب الحنفية ص960ج3 من كشف الأسرار للبزدوى وشرحه لعبد العزيز البخارى ص106 ج 2 من شرحى المنار، وفى مذهب المالكية ص34 ج2 من شرح مختصر ابن الحاجب، ص 111 ج1 من الذخيرة.
وفى مذهب الشافعية ص 5 18 ج1 من المستصفى للغزالى وص8 32 ج1 من الأحكام للآمدى.
وفى مذهب الحنابلة ص 372 ج1 من روضة الناظر وفى مذهب الزيدية ص565 من هداية العقول ج1.
وفى مذهب الإباضبة ص 82 ج 2 من طلعة الشمس.
(168 ) اقرأ فى بيان حجتهم والرد عليها، كتب الأصول التى أشرنا إليها فى مذاهب الجمهور، ومنها حاشية عبد العزيز البخارى على كشف الأسرار ص 961، 962 ج3 وعنه نقلنا الاحتجاج والرد بتصرف يسير.
(1/73)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بث مباشر للمسجد الحرام بمكة المكرمة